فن وفكر

المغرب يعزز حضوره الدولي في برلين… نموذج إنتاج مشترك بطموح عالمي


في قلب العاصمة الألمانية برلين، وخلال فعاليات الدورة الـ76 من مهرجان برلين الدولي للفيلم، خطف المغرب الأنظار مجددا، مؤكدا حضوره المتصاعد داخل خارطة الصناعة السينمائية العالمية. فقد شكلت “سوق الإنتاج المشترك للبرلينالي” منصة استراتيجية لاستعراض المؤهلات التنافسية التي باتت تجعل من المملكة قطبا إقليميا ودوليا في مجال الإنتاج السينمائي والسمعي البصري.هذا الحضور لم يكن بروتوكوليا فحسب، بل حمل رسائل واضحة حول التحول النوعي الذي تعرفه المنظومة السينمائية الوطنية، سواء من حيث البنية القانونية أو التحفيزات المالية أو جاهزية الموارد البشرية.



جلسة البلد… عرض متكامل لمنظومة مغربية متطورة
في إطار “جلسة البلد”، قدم المغرب عرضا شاملا حول نظامه في الإنتاج المشترك، بحضور منتجين ومهنيين يمثلون حوالي عشرين بلدا، إلى جانب وفود من إسبانيا وهولندا واليابان وجمهورية التشيك وإستونيا.اللقاء شكل فرصة لتقديم رؤية متكاملة حول كيفية اشتغال المنظومة المغربية، حيث تم تسليط الضوء على آليات التمويل، والإطار القانوني، وكذا فرص الشراكة التي تتيحها المملكة للراغبين في إنجاز مشاريع سينمائية عابرة للحدود.

المركز السينمائي المغربي… رافعة أساسية للاستقطاب الدولي
أبرز العرض الدور المحوري الذي يضطلع به المركز السينمائي المغربي باعتباره مؤسسة مواكِبة وميسِّرة لمختلف مراحل الإنتاج، من الترخيص إلى الدعم التقني واللوجستي.المركز لا يكتفي بإجراءات إدارية، بل يواكب الإنتاجات الدولية بخبرة متراكمة، ويوفر إطارا عمليا يضمن سلاسة العمليات، وهو ما جعل المغرب وجهة مفضلة لكبرى شركات الإنتاج العالمية.

الاسترجاع النقدي… حافز مالي يعزز جاذبية المملكة
من بين أبرز الأوراش التي عززت تنافسية المغرب، برنامج “الاسترجاع النقدي” (Cash Rebate)، الذي يسمح للمنتجين الأجانب باسترجاع ما يصل إلى 30 في المائة من النفقات المؤهلة المنجزة داخل التراب الوطني.هذا الإجراء يشمل تكاليف كراء المعدات، تشغيل الفرق المحلية، خدمات النقل واللوجستيك، بناء الديكورات، وحتى عمليات ما بعد الإنتاج. وهو ما يجعل المغرب في موقع تنافسي قوي مقارنة بعدد من الوجهات العالمية الأخرى.

موقع استراتيجي وبنية تحتية بمعايير دولية
لا تقتصر قوة المغرب على التحفيزات المالية، بل تمتد إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي، الذي يضعه على بعد أقل من ثلاث ساعات من كبريات العواصم الأوروبية، وفي نقطة تقاطع بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.كما تتوفر المملكة على استوديوهات حديثة، وبنية اتصالات متطورة، وخدمات بنكية واستشفائية بمعايير دولية، إضافة إلى مهنيين وتقنيين راكموا خبرة كبيرة في الاشتغال مع إنتاجات ضخمة.

تنوع طبيعي استثنائي… بلاتوه مفتوح على كل العوالم
من أهم نقاط قوة المغرب تنوعه الجغرافي الفريد، إذ يمكن لفريق تصوير أن ينتقل في ظرف ساعات من أحياء تاريخية عتيقة إلى صحارى مترامية الأطراف، ومن جبال مكسوة بالثلوج إلى سواحل ممتدة على الأطلسي والمتوسط.هذا التنوع يمنح المخرجين إمكانيات بصرية هائلة، ويختصر تكاليف التنقل بين دول متعددة، ما يجعل من المغرب “بلاتوه طبيعيا” مفتوحا على كل الاحتمالات الدرامية.

إنتاجات عالمية كبرى تؤكد الثقة الدولية
الثقة الدولية في المغرب تجسدت من خلال احتضانه لعدد من الإنتاجات العالمية الكبرى، من بينها “غلادياتور”، و“هوملاند”، و“إنديانا جونز”، و“جون ويك”، إضافة إلى مشاريع حديثة مثل “سيرات” و“ذا أوديسي” للمخرج العالمي كريستوفر نولان. هذه الأعمال لم تختر المغرب صدفة، بل نتيجة توازن دقيق بين الجودة والكلفة والاحترافية، ما رسخ صورة المملكة كوجهة موثوقة لصناع السينما.

17 اتفاقية إنتاج مشترك… انفتاح على العالم
المغرب أبرم إلى حدود اليوم 17 اتفاقية دولية للإنتاج المشترك، ما يعكس انفتاحه على مختلف التجارب السينمائية العالمية. هذه الاتفاقيات تتيح تبادل الخبرات، وتسهيل التمويل المشترك، وفتح آفاق توزيع أوسع للأعمال المغربية.وهو ما يعزز تموقع المملكة كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي في المجال الثقافي والسينمائي.

صناعة وطنية ناضجة بسرديات ذات بعد كوني
المغرب لا يكتفي باستضافة الإنتاجات الأجنبية، بل يعمل أيضا على تطوير صناعة وطنية ناضجة، يقودها منتجون ومخرجون شباب وذوو خبرة، بمشاريع تتنوع بين السينما الفنية، والأفلام الوثائقية، وأفلام الأنواع، والمسلسلات، والإنتاجات الكبرى.القصص المغربية، بعمقها الثقافي وتنوعها الاجتماعي، تحمل أبعادا كونية تجعلها قادرة على مخاطبة جمهور عالمي، وهو ما يعزز حضورها في المهرجانات الدولية ومنصات العرض العالمية.

ضيف شرف أوروبي… اعتراف غير مسبوق
اختيار المغرب ضيف شرف السوق الأوروبية للفيلم، الشق المهني والتجاري لـمهرجان برلين الدولي للفيلم، يعد اعترافا دوليا غير مسبوق بمكانته المتقدمة، ليصبح أول بلد إفريقي يحظى بهذا التميز ضمن هذه التظاهرة العريقة.هذا الاختيار لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة سنوات من العمل المؤسساتي، وتطوير التشريعات، وتحسين مناخ الاستثمار السينمائي، إلى جانب رؤية واضحة تجعل من الثقافة رافعة للتنمية والإشعاع الدولي.

من استضافة التصوير إلى شراكات إبداعية مستدامة
الرسالة التي حملها المغرب من برلين واضحة: الأمر لم يعد يتعلق فقط باستقبال كاميرات أجنبية لتصوير مشاهد عابرة، بل بإرساء شراكات إبداعية ومالية وتقنية مستدامة.فالمملكة اليوم تطرح نفسها كشريك كامل في صناعة السينما العالمية، قادرا على تقديم فضاءات تصوير، وتمويلات تنافسية، وطاقات بشرية مؤهلة، وسرديات أصيلة ذات امتداد إنساني واسع.برلين كانت محطة جديدة في مسار طويل، لكن المؤشرات تؤكد أن السينما المغربية تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كقوة صاعدة في المشهد السينمائي الدولي.




الاثنين 16 فبراير 2026
في نفس الركن