ويمتد هذا المشروع ليشمل إعادة بناء المنظومة من جذورها، حيث لا يقتصر على اقتناء حافلات جديدة، بل يتجه نحو إرساء نموذج متكامل للتنقل يعتمد على النجاعة، والرقمنة، وربط مختلف وسائل النقل ضمن شبكة موحدة، بما يتيح للمواطنين تنقلاً أكثر سلاسة وأقل كلفة.
ويرتكز البرنامج على تحديث خدمات الحافلات عبر تعزيز الأسطول وتعميم أنظمة التذاكر الإلكترونية، إلى جانب إدخال أدوات متطورة لإدارة الأسطول وحركة المرور، بما يضمن تحسين وتيرة الرحلات وتوسيع التغطية الجغرافية، خاصة في الأحياء التي تعاني من ضعف الربط.
كما يراهن على تطوير ممرات النقل السريع بالحافلات (BRT)، التي باتت تمثل خياراً استراتيجياً للمدن الباحثة عن حلول فعالة بتكلفة أقل مقارنة بالبنيات الثقيلة، حيث يرتقب إطلاق أربعة خطوط جديدة في Rabat الكبرى بطول يقارب 50 كيلومتراً، إلى جانب خطوط أخرى في Tangier وMarrakech.
ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد، إذ تشمل الرؤية أيضاً مشاريع مستقبلية لدمج أنظمة نقل إضافية، من بينها السكك الحديدية الحضرية وشبه الحضرية، في أفق بناء منظومة نقل متعددة الوسائط تستجيب لحاجيات المدن سريعة النمو.
وفي جانب موازٍ، يولي البرنامج أهمية خاصة لإصلاح الحكامة داخل القطاع، من خلال إحداث وكالات متخصصة في التنقل الحضري، وتعزيز قدرات التدبير على المستويين المركزي والمحلي، إلى جانب تطوير آليات تمويل أكثر استدامة، قادرة على مواكبة التحولات المنتظرة.
ويأتي هذا التوجه في ظل واقع حضري متسارع، حيث تجاوزت نسبة السكان القاطنين بالمدن 60%، مع توقعات ببلوغ أكثر من 70% في أفق 2050، ما يجعل من مسألة التنقل أحد أبرز التحديات المرتبطة بالعدالة المجالية والاندماج الاقتصادي.
وتلعب المدن المغربية دوراً محورياً في خلق الثروة وفرص الشغل، غير أنها تواجه في المقابل اختلالات مرتبطة بصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل من إصلاح منظومة النقل رافعة أساسية لتحقيق تنمية حضرية أكثر توازناً وشمولاً.
وفي العمق، يعكس هذا البرنامج تحولاً في رؤية السياسات العمومية، من مقاربة جزئية تعالج مظاهر الأزمة، إلى تصور استراتيجي يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المدينة وساكنتها، عبر جعل التنقل أداة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد خدمة تقنية.