أخبار بلا حدود

المغرب في قلب واشنطن: شراكة تاريخية تتجدد برؤية استشرافية واستقرار راسخ


في لحظة دولية تتسم بالاضطراب وتعدد بؤر التوتر، يعود اسم المغرب ليُستحضر في قلب واشنطن لا بوصفه حليفاً عادياً، بل باعتباره ركيزة للاستقرار والحداثة ورؤية استشرافية للمستقبل. هكذا لخص رودولف عطا الله، المسؤول الرفيع في مجلس الأمن القومي الأمريكي، موقع المملكة المغربية داخل معادلة الأمن والشراكات الدولية، في خطاب لم يكن بروتوكولياً بقدر ما كان اعترافاً سياسياً صريحاً بثقل المغرب ودوره.



إن ما قاله عطا الله لا يمكن فصله عن سياق أوسع، فالعلاقات المغربية–الأمريكية ليست وليدة ظرف أو مصلحة عابرة، بل هي من أعرق العلاقات الدبلوماسية في التاريخ الحديث، تعود إلى سنة 1777 حين كان المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة. غير أن التاريخ وحده لا يصنع الشراكات المستدامة؛ ما يمنح هذه العلاقة قوتها اليوم هو التحول النوعي الذي عرفه المغرب تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس.

لقد أشار المسؤول الأمريكي بوضوح إلى أن التحالف بين الرباط وواشنطن ليس “تحالفاً شكلياً”، بل يقوم على الثقة والمسؤولية المشتركة والقرارات الرصينة. وهذه شهادة ذات دلالة كبيرة، خصوصاً حين تصدر عن شخصية راكمت تجربة طويلة في مجال مكافحة الإرهاب والأمن القومي. فالمغرب لم يكتفِ بلعب دور المتلقي أو التابع، بل رسخ موقعه كفاعل إقليمي يمتلك رؤية، ويُحسن التموقع في منطقة معقدة جيوسياسياً.

وتكمن أهمية هذا الاعتراف أيضاً في كونه يعكس إجماعاً أمريكياً عابراً للأحزاب حول مكانة المغرب. حضور أعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب، ومسؤولين عسكريين ودبلوماسيين، إلى جانب الجالية المغربية، يؤكد أن الشراكة مع المملكة لم تعد مجرد ملف سياسي، بل أصبحت قناعة راسخة لدى صناع القرار في واشنطن. وهو ما يمنح العلاقات الثنائية بعداً مؤسسياً واستراتيجياً طويل الأمد.

ثم إن توصيف المغرب كـ“ركيزة للحداثة” ليس وصفاً مجانياً. فهو يحيل إلى نموذج مغربي يجمع بين الاستقرار السياسي، والانفتاح الاقتصادي، والإصلاح الديني، والدور الإقليمي المتوازن. في زمن تتهاوى فيه دول وتتشظى أخرى، يقدم المغرب نفسه كاستثناء هادئ، يبني نفوذه عبر الحكمة لا المغامرة، وعبر الشراكات لا الصدام.

إن مبادرة “بروجكت ليغاسي موروكو” التي احتضن الكونغرس فعالياتها، ليست مجرد احتفال رمزي، بل هي رسالة سياسية مفادها أن المغرب يُنظر إليه كشريك للمستقبل، لا كشريك ظرفي. مستقبل تُرسم ملامحه عبر التعاون الأمني، والتنمية الاقتصادية، والتنسيق الإقليمي، في عالم بات يبحث أكثر عن شركاء موثوقين لا عن حلفاء عابرين.

في النهاية، يكشف هذا الحدث أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، نجحت في تحويل التاريخ إلى رصيد، والاستقرار إلى قوة، والثقة إلى نفوذ. وهو ما يجعل المغرب، في نظر واشنطن، ليس فقط صديقاً قديماً، بل شريكاً ضرورياً في عالم يتغير بسرعة، ويحتاج إلى نماذج توازن واعتدال أكثر من أي وقت مضى.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 8 يناير 2026
في نفس الركن