حياتنا

المغرب بين الأزمات والتضامن: مقاربة الدولة والمجتمع نحو الوقاية والإصلاح


إذا أمعنّا النظر في الأحداث المأساوية التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين، نلاحظ خيطًا مشتركًا في طريقة تعاطي الدولة والمجتمع مع الأزمات: احتواء سريع للخسائر، ثم دراسة معمقة للأسباب، يعقبها إصلاح شامل على المستويات المؤسسية والتشريعية والفكرية. إنها مقاربة لا تكتفي بإطفاء الحرائق، بل تسعى لمعالجة جذور الأزمة، لمنع تكرارها مستقبلاً.



حين ضرب الإرهاب مدينتي الدار البيضاء ومراكش، لم يقتصر الرد على الجانب الأمني فقط، بل انطلق مشروع وطني متكامل قلب الطاولة على الفكر المتطرف قبل أن يقلبها على منفذيه. شهدنا إصلاحات جوهرية في الشأن الديني: إعادة هيكلة الحقل الديني، مراجعة الخطاب، تحديث مؤسسات التأطير، تطوير المناهج التأهيلية للمرشدين والمرشدات، وفتح صفحة المراجعات والمصالحات والعفو، في مقاربة جمعت بين الحزم والرحمة، وبين القانون وإعادة الإدماج. الهدف لم يكن مجرد معاقبة الجناة، بل تحصين المجتمع من تربة التطرف، وضمان أمنه الفكري والاجتماعي.

وفي المآسي البيئية والمناخية، ظهر المغرب كمجتمع متضامن ومتآخٍ، حيث جسدت أحداث مثل مأساة الطفل ريان، وزلزال الحوز، وفيضانات تارودانت قوة الروح الجماعية والتضامن الشعبي. لقد كشف كل حدث عن جاهزية الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة الملكية، التي أثبتت قدرتها على لعب دور إنساني وإنقاذي يتجاوز مهامها الدفاعية.

تدل هذه التجارب على أن المغرب اعتمد نهجًا استباقيًا وعلميًا في مواجهة الأزمات: دراسة متأنية، تدابير احترازية، تدخل فعال، ثم إصلاحات شاملة تشمل البنية التحتية، القوانين، السياسات الاجتماعية، والتعليم، والثقافة العامة. هذه المقاربة تؤكد أن الدولة والمجتمع المغربي لا يكتفيان بالرد الفوري على الأحداث، بل يسعيان إلى تحصين المستقبل، وبناء مجتمع أكثر صلابة وقدرة على الصمود أمام التحديات.

تظهر تجربة المغرب نموذجًا متقدمًا في التعاطي مع الأزمات الإنسانية والأمنية والبيئية، يجمع بين الفاعلية المؤسسية، التضامن الشعبي، والروح الوطنية الجامعة، ما يجعل من كل مأساة فرصة للتعلم والإصلاح، ومن كل تحدٍ خطوة نحو مجتمع أكثر أمانًا واستقرارًا.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 2 فبراير 2026
في نفس الركن