آخر الأخبار

المشروع التأليفي لعبد الجليل الأزدي: تنوّع الحقول ووحدة الرؤية النقدية


يمثل المشروع الفكري للباحث المغربي عبد الجليل بن محمد الأزدي نموذجاً لكتابة نقدية تتجاوز حدود التخصص الضيق نحو بناء رؤية معرفية شاملة، تتقاطع فيها الأدوات المنهجية مع الأسئلة الفلسفية والأدبية والثقافية. فقراءة مجموع إنتاجه تكشف عن مسار تأليفي متدرّج، يقوم على التنوع في الموضوعات، مقابل وحدة عميقة في التصور النقدي الذي يؤطر هذه الكتابات.



ينطلق هذا المشروع من فرضية مركزية مفادها أن النص الأدبي والثقافي لا يمكن فهمه خارج سياقاته التاريخية والاجتماعية والفكرية، وهو ما يجعل من الكتابة عند الأزدي ممارسة تحليلية تسعى إلى تفكيك الخطابات وإعادة تركيبها داخل أفق أوسع من الدلالة والمعنى.

أولاً: التأسيس المنهجي وبناء الأدوات النقدية

تميزت المرحلة الأولى من إنتاج الأزدي، خلال تسعينيات القرن الماضي، بطابع تأسيسي واضح، حيث انصب الاهتمام على بناء أدوات القراءة النقدية وتحديد المرجعيات النظرية. ففي كتابه «الأدب والواقع» (1992)، يطرح إشكالية العلاقة بين النص الأدبي وسياقه الاجتماعي، في اتجاه يزاوج بين التحليل الجمالي والبعد الواقعي.

أما في «خطاب الحكاية: بحث في المنهج» (1996)، فيتعمق الباحث في آليات السرد وبنية الحكاية، مستفيداً من مناهج السرديات الحديثة في تحليل النصوص، بينما يعكس عمله «ياكبسون أو البنيوية الظاهراتية» (1999) انفتاحه على اللسانيات البنيوية والفكر الفلسفي، من خلال مقاربة تداخلات المنهج البنيوي مع الظاهراتية.

ثانياً: التوسع في الحقول المعرفية وتعدد الموضوعات

مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية، يتجه مشروع الأزدي نحو توسيع مجال اشتغاله، ليشمل التاريخ الثقافي والأنثروبولوجيا النقدية والدراسات الحضارية. ففي «البربر البرغواطيون بالمغرب» (1999)، يقدم قراءة تاريخية ثقافية لظاهرة دينية وسياسية، مع مقاربة مفاهيم البدعة والمثاقفة في سياقها المغربي.

كما يعكس كتاب «النقد والعلوم الإنسانية» (2002) و**«العجيب والغريب في إسلام العصر الوسيط» (2002)** وعياً متقدماً بأهمية تداخل المعارف، حيث يصبح النقد الأدبي مدخلاً لفهم الظواهر الثقافية والدينية والاجتماعية.

ثالثاً: الانفتاح على الفكر الغربي المعاصر

تتجلى في هذه المرحلة نزعة واضحة نحو الحوار مع الفكر الغربي الحديث، من خلال استحضار مفكرين بارزين مثل بيير بورديو وجيل دولوز. ففي «بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف» (2003)، يعيد الأزدي قراءة السوسيولوجيا البورديوية في ضوء إشكالات الثقافة والسلطة والرمزية.

أما في «التحليل النفسي والأدب في النظرية والممارسة» (2005)، فيتوسع الاشتغال نحو المقاربات النفسية للنص الأدبي، بينما يقدم في «جيل دولوز: الفوضوي المتوج وتكرار الاختلاف» (2009) قراءة فلسفية لمفاهيم الاختلاف والتعدد داخل الفكر الفلسفي المعاصر.

رابعاً: المقاربة المقارنة والانفتاح على الأدب العالمي

في مرحلة لاحقة، يبرز اهتمام واضح بالأدب المقارن والعلاقة بين الأجناس الفنية، كما في كتاب «الأدب والسينما: إرنست همنغواي السكير المتمرد والأديب الثوري» (2020)، حيث يتم تحليل تقاطع السرد الأدبي مع اللغة السينمائية، من خلال تجربة همنغواي بوصفه نموذجاً للكاتب المتعدد الوسائط.

خامساً: تكثيف المشروع النقدي وإعادة قراءة التراث

في أعماله الأحدث، يتجه الأزدي إلى تكثيف أدواته المنهجية وإعادة مساءلة التراث السردي، كما في كتاب «من الرماد إلى الذهب: سندريلا في فساتين منهجية متقاطعة» (2026)، حيث يتم التعامل مع الحكايات والأساطير باعتبارها بنيات ثقافية قابلة للتحليل عبر مناهج متعددة، تجمع بين السيميائيات والسرديات والدراسات الثقافية.

ويمكن القول إن المشروع التأليفي لعبد الجليل الأزدي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

تعدد الحقول المعرفية: إذ يشتغل على تقاطع الأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية.
الانفتاح المنهجي: من خلال توظيف أدوات نقدية متنوعة مثل البنيوية، التحليل النفسي، والسوسيولوجيا.
إعادة قراءة التراث والحداثة معاً: في أفق نقدي يربط بين المحلي والعالمي.

وبذلك، يتجاوز إنتاج الأزدي حدود الكتابة النقدية التقليدية، ليشكل مشروعاً معرفياً متكاملاً يسعى إلى فهم الإنسان عبر خطاباته الثقافية والسردية، في أفق يوازن بين الصرامة الأكاديمية والانفتاح على التحولات الفكرية المعاصرة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الأربعاء 22 أبريل 2026
في نفس الركن