وفي هذا السياق، حذر اعمارة من التعامل السطحي مع هذه التحولات، مؤكداً أن غياب إطار مؤسساتي واضح قد يفتح الباب أمام استعمالات غير مضبوطة، سواء على مستوى جودة المحتوى التعليمي أو حماية المعطيات الشخصية أو حتى تكافؤ الفرص بين المتعلمين. لذلك، دعا إلى تسريع بناء منظومة تنظيمية متكاملة تواكب إدماج الذكاء الاصطناعي داخل التعليم، وتحدد حدوده وإمكاناته بشكل دقيق.
ولم يكتف رئيس المجلس بالتشخيص، بل قدم تصوراً عملياً يقوم على ضرورة بلورة استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي، تكون مندمجة مع السياسات العمومية في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والفلاحة. فهذه المجالات، بحسبه، تمثل نقاط ارتكاز يمكن من خلالها تحويل التكنولوجيا إلى أداة لتحسين الخدمات وتقليص الفوارق، خاصة في المناطق القروية التي تعاني من ضعف الولوج إلى الموارد الرقمية.
كما أبرز أن نجاح هذا التحول يمر حتماً عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، التي تشكل الأساس لأي إدماج فعلي للتكنولوجيا داخل المدرسة. فبدون تجهيزات ملائمة وربط مستقر بالإنترنت، سيظل الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم أقرب إلى الطموح النظري منه إلى التطبيق العملي. وإلى جانب ذلك، شدد على أهمية تكوين المدرسين، باعتبارهم الحلقة المركزية في نقل هذه الأدوات إلى الممارسة التربوية، وتمكينهم من استعمالها بثقة وفعالية.
وفي نفس الاتجاه، دعا إلى مواكبة التلاميذ في اكتساب مهارات التعامل النقدي مع الذكاء الاصطناعي، حتى لا يتحولوا إلى مجرد مستهلكين سلبيين للتكنولوجيا، بل إلى فاعلين قادرين على فهمها وتوظيفها بوعي. كما أكد على ضرورة إشراك الأسرة في هذا المسار، من خلال تعزيز دورها في التتبع والتوجيه، خاصة في ظل تنامي حضور الأدوات الرقمية في الحياة اليومية للأطفال.
ومن زاوية الحكامة، استعرض اعمارة جملة من التوصيات التي تعكس وعياً بتعقيد هذا التحول، من بينها إرساء آليات لمراقبة تحيزات الخوارزميات وضمان شفافيتها، وحماية المعطيات الشخصية للمتعلمين، وتشجيع التجارب الميدانية داخل المؤسسات التعليمية في إطار مؤطر يسمح باستخلاص الدروس قبل التعميم. كما شدد على ضرورة إعداد دلائل مرجعية واضحة تحدد كيفية استخدام هذه التكنولوجيا داخل الفصول الدراسية.
وفي سياق متصل، دعا إلى تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث، بهدف بناء منظومة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، قادرة على إنتاج حلول محلية بدل الاكتفاء باستيرادها. كما أكد على أهمية إحداث مسارات تعليمية متخصصة لتكوين كفاءات مغربية في هذا المجال، بما يضمن استقلالية نسبية وقدرة تنافسية في سوق عالمي سريع التحول.
ولم يغفل رئيس المجلس مسألة التقييم، حيث شدد على ضرورة إرساء آليات مستمرة لقياس أثر إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، سواء على مستوى جودة التعلمات أو على مستوى تقليص الفوارق بين المتعلمين. فالتكنولوجيا، كما أشار، ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة ينبغي أن تخضع دائماً لمعيار الفعالية والإنصاف.
وفي ختام مداخلته، رسم اعمارة أفقاً واضحاً يتمثل في جعل الذكاء الاصطناعي رافعة حقيقية لتحديث المدرسة المغربية، لكن ضمن رؤية استراتيجية تستشرف التحولات المقبلة وتوازن بين الابتكار والمسؤولية. فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في مواكبة الثورة الرقمية، بل في توجيهها بما يخدم مشروع مدرسة أكثر جودة وعدالة، قادرة على إعداد مواطنين يمتلكون أدوات المستقبل دون أن يفقدوا قدرتهم على التفكير النقدي