صحتنا

العمل عن بُعد بين الراحة المهنية وتحديات الصحة النفسية


أصبح العمل عن بُعد خلال السنوات الأخيرة نموذجاً شائعاً في عالم الشغل الحديث، إذ يُقدَّم غالباً باعتباره حلاً عملياً يوفّر الوقت ويقلّل من عناء التنقل اليومي، كما يمنح الموظفين مرونة أكبر في تنظيم أوقاتهم ويُخفّف من ضغوط المكاتب التقليدية. غير أن هذه الصورة الإيجابية المطلقة بدأت تُطرح حولها تساؤلات علمية جديدة، خاصة فيما يتعلق بتأثيره على الصحة النفسية.



فقد كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Science أن العمل عن بُعد قد لا يكون مثالياً كما يبدو، إذ أظهرت نتائج تحليل بيانات واسعة شملت مئات الآلاف من المشاركين أن الأشخاص الذين يشتغلون عن بعد يميلون إلى قضاء وقت أطول بمفردهم، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع في مستوى الرفاه النفسي لديهم. كما لوحظ ارتفاع في مؤشرات القلق والاكتئاب، إضافة إلى زيادة الإقبال على خدمات الصحة النفسية لدى هذه الفئة.

وتشير الدراسة إلى أن هذه التأثيرات تكون أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، حيث يعزز العمل عن بعد لديهم الشعور بالعزلة الاجتماعية، في غياب التفاعل اليومي الذي توفره بيئة العمل التقليدية.

ورغم هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن الوضع ليس حتمياً، إذ يمكن التخفيف من هذه الآثار السلبية عبر اعتماد حلول عملية، مثل الحفاظ على أيام عمل حضورية منتظمة، وتنظيم لقاءات وتواصلات مهنية غير رسمية بين الزملاء، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسائط الرقمية.

كما يشدد الخبراء على أن مسؤولية التوازن النفسي لا تقع على بيئة العمل فقط، بل أيضاً على الأفراد أنفسهم، من خلال الحفاظ على حياة اجتماعية نشطة، وممارسة الأنشطة الرياضية أو الهوايات التي تعزز التواصل الإنساني خارج إطار العمل.

وبين مزايا الراحة والمرونة من جهة، وتحديات العزلة النفسية من جهة أخرى، يظل العمل عن بُعد نموذجاً يحتاج إلى توازن دقيق يضمن الإنتاجية دون التضحية بالصحة النفسية للعاملين.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 9 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن