آخر الأخبار

العدالة والاستثمار: رهان الأمن القانوني وتعزيز الثقة في مناخ الأعمال


في سياق الدينامية المتواصلة التي يعرفها المشهد الثقافي والقانوني بالمملكة، وضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، برزت المشاركة المتميزة للمؤسسات القضائية كترجمة فعلية لنهج الانفتاح والتواصل مع مختلف الفاعلين. وقد احتضن الرواق المشترك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، يوم الأحد 3 ماي 2026، ندوة علمية رفيعة المستوى خُصصت لموضوع “العدالة والاستثمار”، بمشاركة نخبة من القضاة والخبراء والأكاديميين.



شكل هذا اللقاء العلمي منصة خصبة لتبادل الرؤى حول العلاقة التفاعلية بين المنظومة القضائية ومناخ الاستثمار، حيث تم التأكيد على أن تحقيق التنمية الاقتصادية يظل رهينًا بوجود بيئة قانونية وقضائية تتسم بالنجاعة والشفافية. وفي هذا الإطار، أبرز السيد موح خويا، رئيس المحكمة الابتدائية التجارية بأكادير، أن الاستثمار يعد رافعة أساسية لخلق الثروة وفرص الشغل، مشددًا على ضرورة توفير قضاء متخصص يضمن حماية حقوق المستثمرين ويؤمن معاملاتهم. كما استعرض مختلف الآليات التي أقرها المشرع، خاصة في إطار الكتاب الخامس من مدونة التجارة، والتي تعتمد مبدأ التدرج في معالجة صعوبات المقاولة، بدءًا من الوقاية الداخلية السرية، وصولاً إلى مساطر التسوية القضائية التي تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي.

ومن جانبها، سلطت السيدة سميرة زرود، نائبة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التجارية بمراكش، الضوء على مفهوم “الحكامة القضائية” باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز ثقة المستثمر في القضاء. وأوضحت أن هذه الحكامة تتجلى في حسن تدبير القاضي لاختصاصاته بما يحقق العدالة والفعالية، من خلال حماية الشركاء داخل الشركات، وصون حقوق الملكية الصناعية، ودعم مساطر التحكيم كبديل فعال لحل النزاعات، بما يضمن استقرار المعاملات الاقتصادية.

أما دور النيابة العامة، فقد حظي بحيز مهم من النقاش، حيث أكد السيد محمد محبوبي أن حماية الملكية الفكرية والصناعية تمثل دعامة أساسية لجذب الاستثمار، في ظل ما تشكله جرائم التزييف والقرصنة من تهديد حقيقي للاقتصاد الوطني. وأبرز أن النيابة العامة تضطلع بدور محوري في حماية النظام العام الاقتصادي، سواء من خلال تحريك الدعوى العمومية بناءً على شكايات، أو عبر تدخلها التلقائي في القضايا التي تمس النظام العام، فضلًا عن إشرافها على عمليات الحجز وإتلاف السلع المقلدة.
وفي سياق متصل، تناول السيد مراد فضيل موضوع التحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات، معتبرًا إياها خيارًا استراتيجيًا لتعزيز الأمن القانوني وجذب الاستثمارات، خاصة في ظل تطور الإطار التشريعي المغربي، ولا سيما القانون رقم 95.17. كما أشار إلى بعض الإشكالات المرتبطة بالتحكيم في العقود الدولية، كمسألة حصانة التنفيذ واختيار القانون الواجب التطبيق، مؤكدًا في المقابل على مواكبة القضاء المغربي لهذه التحولات من خلال اجتهادات تعزز استقلالية المسطرة التحكيمية.

وفي مداخلة متميزة، أبرز السيد سمير الستاوي التحول الذي عرفه دور النيابة العامة، حيث لم يعد مقتصرًا على حماية النظام العام التقليدي، بل امتد ليشمل حماية النظام العام الاقتصادي، بما يضمن التوازن بين مصالح المقاولة والدائنين. واستعرض حصيلة سنة 2025، التي عرفت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد القضايا المرتبطة بصعوبات المقاولة، مما يعكس تزايد وعي الفاعلين بأهمية اللجوء إلى الآليات القانونية لحماية استثماراتهم.

كما تناول الأستاذ روشام طاكي موضوع “شفافية السوق” باعتبارها ركيزة أساسية لضمان منافسة نزيهة، مشيرًا إلى أن تحقيق التوازن الاقتصادي يمر عبر تمكين المستهلك من المعلومة الصحيحة، وتعزيز آليات الرقابة على الممارسات الاحتكارية. ودعا إلى تطوير الإطار القانوني وتعزيز الرقمنة، بل واقترح إعادة إحياء مؤسسة “الحسبة” بروح عصرية لضمان أخلاقيات السوق إلى جانب القواعد القانونية.

وفي ختام هذه الندوة، يتضح أن تحقيق مناخ استثماري محفز لا يمكن أن يتم بمعزل عن منظومة قضائية قوية، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية وضمان الأمن القانوني. فالتكامل بين التشريع، والقضاء، والنيابة العامة، إلى جانب ترسيخ قيم الشفافية والنزاهة، يظل السبيل الأمثل لبناء اقتصاد وطني تنافسي ومستدام، ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية ويعزز مكانة المغرب كوجهة جاذبة للاستثمار.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 4 ماي 2026
في نفس الركن