تكنو لايف

الذكاء البشري ليس في مكان واحد… دراسة ترسم خريطة جديدة لبنية الدماغ


على مدى سنوات طويلة، ساد الاعتقاد داخل الأوساط العلمية بأن الذكاء البشري يتمركز في مناطق محددة من الدماغ، خاصة الفصين الجبهي والجداري المرتبطين بالانتباه والذاكرة العاملة واتخاذ القرار. غير أن دراسة علمية حديثة تقترح تحولا جذريا في فهم هذا المفهوم، مؤكدة أن الذكاء العام لا يختزل في “مركز” بعينه، بل يقوم على تنسيق واسع النطاق يشمل الدماغ بأكمله. هذه النتيجة تعيد فتح نقاش علمي قديم حول طبيعة الذكاء وكيفية تشكّله داخل الشبكات العصبية.



بحسب ما أورده موقع PsyPost نقلاً عن دراسة منشورة في دورية Nature Communications، فإن الذكاء يقوم على بنية دماغية شاملة تحقق توازنا دقيقا بين الكفاءة والمرونة. هذا التوازن يسمح للدماغ بالتكيف مع أوضاع مختلفة، سواء تعلق الأمر بالتعلم، أو التحليل المنطقي، أو حل المشكلات المعقدة. فبدل أن يكون الذكاء وظيفة “موضعية”، يبدو أنه نتيجة انسجام شامل بين البنية الفيزيائية للدماغ وأنماط نشاطه الوظيفي.

 علم الأعصاب الشبكي: مقاربة جديدة لفهم العقل
اعتمد الباحثون على مقاربة تُعرف بـ“علم الأعصاب الشبكي”، وهي رؤية حديثة تعتبر أن القدرات المعرفية تنشأ من تنظيم الشبكات العصبية ككل، لا من نشاط منطقة منفردة. وقاد الدراسة رامزي ويلكوكس من جامعة نوتردام، بشراكة مع آرون باربي وباحثين من جامعتي إلينوي وستوني بروك. وقد سعى الفريق إلى تجاوز النماذج التقليدية التي تحصر الذكاء في مواقع محددة، عبر تحليل العلاقة بين التركيب البنيوي للدماغ ونشاطه الوظيفي عبر شبكاته المختلفة.

قاعدة بيانات ضخمة وتقنيات تصوير متقدمة
استندت الدراسة إلى بيانات مشروع “هيومن كونيكتوم”، الذي يضم معطيات دقيقة عن 831 شابا بالغا يتمتعون بصحة جيدة، إضافة إلى عينة مستقلة للتأكد من النتائج. واستخدم الباحثون نوعين متكاملين من التصوير بالرنين المغناطيسي: تصوير الانتشار لرسم خرائط مسارات المادة البيضاء التي تربط مناطق الدماغ، والتصوير الوظيفي في حالة الراحة لرصد أنماط النشاط العصبي. وقد سمح الجمع بين الطريقتين ببناء نموذج متكامل يقدّر كيفية انتقال المعلومات داخل الدماغ بدقة أكبر.

 الذكاء كظاهرة موزعة عبر القشرة الدماغية
أظهرت نتائج النماذج التنبؤية أن المقاربات التي تأخذ بعين الاعتبار الروابط عبر الدماغ بأكمله كانت أكثر دقة في التنبؤ بمستوى الذكاء العام. في المقابل، بدت النماذج التي تركز على شبكة واحدة أو منطقة محددة أقل قدرة على تفسير الفروق الفردية. ولم تتركز الروابط الأكثر تأثيرا في منطقة بعينها، بل توزعت عبر القشرة الدماغية، ما يعزز فكرة أن الذكاء عملية موزعة تتطلب تفاعلا ديناميكيا بين شبكات متعددة.

 “الروابط الضعيفة”.. سر القوة الخفية للدماغ
من أبرز ما كشفت عنه الدراسة أن الأشخاص ذوي الذكاء الأعلى يعتمدون بدرجة أكبر على ما يسمى بـ“الروابط الضعيفة” بعيدة المدى بين مناطق الدماغ. ورغم أنها أقل كثافة من الناحية البنيوية، فإنها تؤدي دورا حاسما كجسور تربط مجموعات عصبية متباعدة. وتمتاز هذه الروابط بأنها أقل كلفة من حيث استهلاك الطاقة وأسهل تعديلا، ما يمنح الدماغ مرونة أكبر عند مواجهة تحديات جديدة. كما تبين أن هذه الروابط تمتد لمسافات أطول لدى الأفراد الأعلى ذكاء، في مقابل روابط قوية أقصر، في توازن دقيق بين التكامل والكفاءة.

 التحكم النمطي: دفع الدماغ إلى آفاق غير مألوفة
سلط الباحثون الضوء أيضا على مفهوم “التحكم النمطي”، أي قدرة بعض المناطق الدماغية على دفع الشبكة العصبية إلى حالات نشاط غير اعتيادية. وترتبط هذه القدرة بالوظائف التنفيذية والمعالجة البصرية، حيث تساعد ما يُعرف بـ“عُقد التحكم” على تنسيق التفاعل بين الشبكات المختلفة بكفاءة عالية. ويبدو أن هذه القدرة على الانتقال بين أنماط النشاط تمثل أحد مفاتيح الذكاء العام.

 الدماغ كـ“شبكة صغيرة” فعالة
تناولت الدراسة أيضا مفهوم “الشبكة الصغيرة”، وهو نمط تنظيمي يجمع بين ترابط محلي قوي ومسارات قصيرة تربط مختلف أجزاء الدماغ. ويعد هذا التنظيم مثاليا لأنه يسمح بمعالجة متخصصة على المستوى المحلي، مع الحفاظ على سرعة الاتصال على المستوى الشامل. وأظهرت النتائج أن الأفراد الأعلى ذكاء يمتلكون خصائص أقوى من هذا التنظيم، ما يضمن عدم انعزال المعلومات داخل وحدات منفصلة، ولا تحول الدماغ إلى شبكة عشوائية غير فعالة.

 ماذا يعني ذلك لمستقبل الذكاء الاصطناعي؟
تفتح هذه النتائج آفاقا جديدة أمام تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مرونة وتكاملا. فإذا كان سر الذكاء البشري يكمن في التنظيم الشبكي الشامل، فإن تصميم نماذج تحاكي هذا التوازن قد يساعد في تجاوز حدود الأنظمة الحالية المتخصصة في مهام ضيقة. وبينما تتفوق تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم في أداء وظائف محددة بدقة عالية، فإنها لا تزال تفتقر إلى التكامل الشبكي الواسع الذي يميز العقل البشري.

 الذكاء… فن التنظيم لا قوة الجزء
تكشف هذه الدراسة أن الذكاء البشري ليس نتاج قوة منطقة واحدة، بل ثمرة تنظيم دقيق ومتوازن عبر شبكة دماغية متكاملة. إنه فن إدارة الروابط، وتنسيق الإشارات، وتحقيق الانسجام بين الكفاءة والمرونة. وربما يكون هذا الفهم الجديد خطوة إضافية نحو فك أحد أعقد ألغاز الإنسان: كيف يفكر، وكيف يتعلم، ولماذا يبدع.




الأربعاء 11 فبراير 2026
في نفس الركن