اقتصاديات

الذكاء الاصطناعي بين الاستدامة والتحديات الأخلاقية: نقاش علمي يرسم ملامح المستقبل


في زمن تتقاطع فيه الأزمة المناخية مع التحول الرقمي المتسارع، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كأداة محورية تعيد تشكيل مختلف مناحي الحياة، من الفلاحة والصحة إلى تدبير الموارد الطبيعية. غير أن هذا التحول يظل محاطاً بقدر كبير من الجدل، بين اعتباره حلاً مبتكراً لتحقيق الاستدامة، وكونه مصدراً لتحديات بيئية وأخلاقية جديدة.



وقد شكّل هذا الموضوع محور نقاش علمي احتضنته الجامعة متعددة التخصصات ببنجرير جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، في إطار أسبوع الاستدامة، بمشاركة نخبة من الخبراء في مجالات الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات البيئية والتنمية المستدامة.

الذكاء الاصطناعي: أداة ذات وجهين
أجمع المتدخلون على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن تصنيفه ببساطة كحل أو مشكلة، بل هو أداة تعتمد آثارها على طريقة استخدامها وسياق توظيفها. فبينما يتيح إمكانيات كبيرة لتحسين الإنتاجية وترشيد الموارد، فإنه قد يفاقم أيضاً التحديات البيئية إذا لم يُستخدم بشكل مسؤول.

وفي المجال الفلاحي، أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة فعالة لتحليل المعطيات المناخية والتربة والموارد المائية، ما يسمح بتحسين استعمال المياه والأسمدة وتقليل الهدر. كما تم تطوير نماذج تنبؤية تساعد الفلاحين على مواجهة الجفاف والأمراض الزراعية، خصوصاً في المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء.

نحو فلاحة أكثر ذكاءً واستدامة
أكدت الباحثة لمياء عزيزي أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الفلاحة لا يتطلب بالضرورة نماذج ضخمة ومعقدة، بل حلولاً دقيقة ومصممة حسب الحاجيات المحلية. فالتكنولوجيا، حسب رأيها، يجب أن تراعي القيود البيئية منذ مرحلة التصميم، وليس فقط عند التطبيق.

وفي القطاع الصحي، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم لتحسين تدبير الموارد داخل المستشفيات، من خلال إدارة الأدوية وترشيد الطاقة وتخفيف الهدر، مما يساهم في تقليص البصمة البيئية للمؤسسات الصحية.

التحدي البيئي: كلفة رقمية غير مرئية
رغم هذه الإيجابيات، يسلط الخبراء الضوء على التكلفة البيئية المتزايدة للذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات والنماذج الضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، تُقارن أحياناً باستهلاك دول كاملة.

كما أشار الباحث أيمن شرقاوي إلى أن البعد المائي للذكاء الاصطناعي غالباً ما يتم تجاهله، رغم أن صناعة الشرائح الإلكترونية وتبريد الخوادم تتطلب كميات كبيرة من المياه، وهو ما يشكل تحدياً خاصاً في مناطق تعاني من ندرة الموارد المائية مثل شمال إفريقيا.

نحو ذكاء اصطناعي أخلاقي ومسؤول
في قلب هذا النقاش، تبرز الإشكالية الأخلاقية كعنصر أساسي في مستقبل الذكاء الاصطناعي. فقد شددت الباحثة سعيدة بلولي على ضرورة وضع إطار أخلاقي صارم يضمن عدم انحراف هذه التكنولوجيا نحو التمييز أو انتهاك الخصوصية أو الإقصاء الاجتماعي.
ودعت إلى اعتماد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة كمرجعية لتقييم أثر مشاريع الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن التكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان أولاً، لا أن تتحكم فيه.

الحوكمة والتعاون الدولي شرط أساسي
من جهته، أكد الباحثون أن نجاح الذكاء الاصطناعي كأداة للاستدامة يتطلب حوكمة دولية مشتركة، تضمن تقليص الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية، وتمنع تحول التكنولوجيا إلى عامل تعميق لللامساواة.

كما أشاروا إلى تجارب ناجحة في المغرب، حيث ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقليص استهلاك المياه بنسبة مهمة داخل القطاع الفلاحي، إلى جانب تحسين تدبير النفايات وتقليل الانبعاثات في المدن.

ويُظهر هذا النقاش العلمي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح واقعاً مؤثراً في مسارات التنمية. غير أن تحويله إلى أداة حقيقية للاستدامة يتطلب توازناً دقيقاً بين الابتكار، والأخلاق، والحفاظ على الموارد الطبيعية، حتى لا يتحول التقدم التكنولوجي إلى عبء بيئي جديد.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 23 أبريل 2026
في نفس الركن