صحتنا

الخوف من التقدّم في السن: بين تغيّر الجسد وقلق الفناء


يُعدّ الخوف من التقدّم في السنّ من المشاعر الشائعة لدى كثير من الناس، وهو شعور لا يرتبط فقط بالتغيرات الجسدية الظاهرة مثل التجاعيد أو الشيب، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى أعماق نفسية أعمق تتعلق بالهوية الذاتية، والإحساس بالزمن، وحتى التفكير في النهاية الحتمية للحياة.



ويُشير المختصون في علم النفس إلى أن هذا الخوف، الذي يُعرف بـ“رُهاب الشيخوخة”، لا يظهر فقط عند كبار السن، بل قد يرافق الإنسان في مختلف مراحل عمره، خاصة خلال فترات التحوّل أو الضغوط النفسية. فهو يرتبط بشكل أساسي بالخوف من فقدان الاستقلالية، أو تغيّر صورة الذات، أو فقدان الجاذبية والقيمة الاجتماعية، إضافة إلى القلق الوجودي المرتبط بالموت.

وتوضح الدراسات النفسية أن التغيرات الجسدية التي يمر بها الإنسان مع التقدم في العمر، مثل ظهور التجاعيد أو الشيب أو انخفاض النشاط البدني، قد تُشكّل صدمة لدى البعض، خصوصاً في المجتمعات التي تُعطي أهمية كبيرة للمظهر الخارجي. إذ قد يشعر البعض بأن هذه التغيرات تُقلّل من قيمتهم أو مكانتهم الاجتماعية، مما يعمّق لديهم الإحساس بعدم الارتياح تجاه الشيخوخة.

كما أن التقدّم في العمر يُعيد للإنسان إدراك مرور الزمن بشكل أوضح، حيث تتغير نظرته للحياة وتصبح أكثر واقعية. فبينما يشعر الشباب بأن الوقت مفتوح أمامهم بلا حدود، يبدأ هذا الإحساس بالتغير تدريجياً مع التقدم في السن، إذ تتقلص بعض الخيارات وتصبح الأولويات أكثر وضوحاً، ويزداد الوعي بفكرة الزمن المحدود.

ورغم أن هذا القلق قد يبدو طبيعياً، إلا أنه قد يصبح مشكلة عندما يتحول إلى هاجس يؤثر على الحياة اليومية ويعيق التوازن النفسي. في هذه الحالة، ينصح المختصون باللجوء إلى الدعم النفسي لفهم جذور هذا الخوف والتعامل معه بشكل صحي.

في المقابل، يؤكد علماء النفس أن تقبّل التقدّم في السن لا يعني الاستسلام، بل هو عملية نضج نفسي تعتمد على المصالحة مع الذات، وعلى القدرة على التكيّف مع التغيرات. فالأشخاص الذين يمتلكون مرونة نفسية، ويستفيدون من تجاربهم السابقة، غالباً ما يكونون أكثر قدرة على التعامل الإيجابي مع الشيخوخة.

وفي النهاية، يبقى الخوف من التقدّم في السن انعكاساً لطبيعة الإنسان ووعيه العميق بالزمن والحياة، لكن فهمه والتعامل معه بوعي يمكن أن يحوّله من مصدر قلق إلى فرصة لتقدير الحياة بكل مراحلها.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 9 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن