حياتنا

الخصوصية في زمن الرقمنة: قراءة في دراسة حول التوازن بين الأمن والحريات


في سياق التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، صدر حديثًا للدكتور محمد بن عيسى عمل علمي جديد بعنوان “حماية الحق في الخصوصية والرقابة التكنولوجية”، نُشر ضمن العدد الأخير من مجلة منازعات الأعمال، مسلطًا الضوء على واحدة من أبرز الإشكاليات القانونية المعاصرة: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات البحث الجنائي وحماية الحياة الخاصة؟



تطرح هذه الدراسة إشكالية دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع مقتضيات الحقوق والحريات، خاصة في ظل التوسع الكبير في استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في التحقيقات الجنائية. وقد تناول الباحث الموضوع من خلال تحليل مستجدات القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، الذي جاء ليواكب هذه التحولات، ويؤطر استخدام أدوات الرقابة الرقمية ضمن ضوابط قانونية.

ولا تكتفي الدراسة برصد الواقع الراهن، بل تعود إلى الجذور التاريخية لمفهوم الحق في الخصوصية، مبرزة أنه لم يتشكل دفعة واحدة، بل كان ثمرة تراكمات فكرية وقانونية متعددة. فقد انطلق هذا المفهوم من الطرح الكلاسيكي الذي صاغه كل من صموئيل وارن ولويس برانديز، حيث اعتبرا الخصوصية “حقًا في أن يُترك الإنسان وشأنه”، وهو تعريف أصبح مرجعًا في الأدبيات القانونية.

ومع تطور المجتمعات وتعقد العلاقات الاجتماعية، عرف هذا المفهوم توسعًا ملحوظًا مع إسهامات ويليام بروسير وآلان ويستين، اللذين أعادا صياغة الخصوصية في سياق أكثر ارتباطًا بالحريات الفردية والتحكم في المعلومات الشخصية.

أما في العصر الرقمي، فقد أصبح الحق في الخصوصية أكثر تعقيدًا، حيث بات مرتبطًا بشكل وثيق بحماية المعطيات الشخصية، وبقدرة الأفراد على التحكم في تدفق معلوماتهم في فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه الحدود بين العام والخاص.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في كونها تسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين ضرورات الأمن، التي تفرض أحيانًا اللجوء إلى وسائل رقابية متقدمة، وبين حماية الحقوق الأساسية للأفراد، وعلى رأسها الحق في الخصوصية، الذي يشكل أحد أعمدة دولة القانون.

في المحصلة، يفتح هذا العمل العلمي نقاشًا ضروريًا حول حدود استخدام التكنولوجيا في المجال الجنائي، ويدعو إلى بلورة مقاربات قانونية متوازنة تضمن فعالية العدالة دون المساس بجوهر الحريات الفردية في عصر أصبحت فيه المعلومة أكثر عرضة من أي وقت مضى للانكشاف والتتبع.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 5 ماي 2026
في نفس الركن