آخر الأخبار

الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة… كيف تبني الدول وحدتها عبر توزيع القوة؟


لم تعد قوة الدول الحديثة تُقاس فقط بقدرة المركز على التحكم في كل التفاصيل، بل أصبحت مرتبطة بمدى نجاحها في توزيع القرار، وتقريب التنمية، وتمكين الجهات من تدبير شؤونها ضمن إطار وطني موحد. ففي عالم اليوم، لم يعد مفهوم الدولة المركزية الصلبة وحده كافيًا لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، بل برزت نماذج جديدة للحكامة تقوم على اللامركزية، والجهوية المتقدمة، والحكم الذاتي، باعتبارها أدوات لبناء دول أكثر توازنًا واستقرارًا ونجاعة.



ورغم ذلك، لا يزال البعض يربط الحكم الذاتي بالتقسيم أو الانفصال، في حين تؤكد التجارب الدولية الحديثة أن المسألة لا تتعلق بتفكيك الدولة، بل بطريقة تنظيمها وتوزيع الاختصاصات داخلها. فالحكم الذاتي، في جوهره، ليس خروجًا عن الدولة، بل صيغة متقدمة لتدبير الوحدة الوطنية، تمنح السكان المحليين صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية الكبرى، كالدفاع والسياسة الخارجية والقضاء الدستوري والعملة والرموز الوطنية الجامعة.

وقد أثبتت عدة تجارب دولية نجاح هذا النموذج، حيث تمكنت دول مثل إسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وفنلندا من اعتماد أنظمة حكم ذاتي أو جهوية موسعة دون أن يؤثر ذلك على وحدتها الترابية أو استقرارها السياسي. بل إن هذه الصيغ ساهمت في امتصاص التوترات وتحويل التنوع الثقافي والمجالي إلى عنصر قوة وتنمية.

وفي السياق المغربي، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى المسار الذي اختارته المملكة منذ سنوات، من خلال إطلاق ورش الجهوية المتقدمة، وتقديم مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتبارها حلًا واقعيًا وحداثيًا للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية. فالمغرب لم يطرح الحكم الذاتي كصيغة قانونية معزولة، بل ربطه بمشروع تنموي شامل يقوم على الاستثمار والبنية التحتية وتعزيز المؤسسات المحلية، في إطار احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية.

وتقوم الجهوية المتقدمة على فلسفة توزيع السلطة والثروة بشكل أكثر عدالة بين مختلف الجهات، بما يسمح لكل منطقة بتحديد أولوياتها التنموية واستثمار مؤهلاتها الخاصة. فالجهات تختلف من حيث الإمكانيات الاقتصادية والطبيعية والبشرية، وبالتالي فإن تدبيرها من المركز وحده لم يعد قادرًا على تحقيق التنمية المتوازنة أو الاستجابة الدقيقة لحاجيات السكان.

فالجهة الفلاحية أدرى بتحدياتها الزراعية والمائية، والجهة الساحلية أكثر قدرة على تطوير اقتصاد بحري متكامل، والجهة الصناعية أقدر على استقطاب الاستثمار المرتبط بخصوصياتها، بينما تحتاج الجهات الجبلية إلى حلول تنموية تراعي طبيعتها الجغرافية والاجتماعية. ومن هنا، فإن نجاح الدولة الحديثة لا يقوم على احتكار القرار، بل على توزيع الذكاء والمسؤولية والموارد بين مختلف المجالات الترابية.

غير أن نجاح أي تجربة جهوية أو حكم ذاتي يظل مرتبطًا بتحقيق العدالة المجالية ومنع ظهور “جهات محظوظة” مقابل أخرى مهمشة. فالتفاوت في البنيات التحتية والخدمات والاستثمارات قد يخلق شعورًا بالحيف ويضعف الانتماء الوطني. لذلك، تصبح الدولة مطالبة بإرساء آليات حقيقية للتضامن بين الجهات، تقوم على توزيع عادل للاستثمارات والخدمات الأساسية وضمان الحد الأدنى من الكرامة المجالية لكل المواطنين، بغض النظر عن مناطقهم.

وفي هذا الإطار، تبرز الأقاليم الجنوبية المغربية كنموذج يجمع بين البعد السياسي والتنموي. فقد تحولت هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء للاستثمارات الكبرى والمشاريع الاستراتيجية، من خلال تطوير البنيات التحتية، والموانئ، والطاقة المتجددة، وربط المغرب بعمقه الإفريقي. وهو ما يعكس المقاربة المغربية القائمة على تحويل النزاع السياسي إلى مشروع استقرار وتنمية واندماج اقتصادي.

لكن بناء جهات قوية ومنتجة لا يتوقف فقط على توفير المشاريع، بل يحتاج أيضًا إلى نخب سياسية وإدارية كفؤة، قادرة على التدبير الجيد وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالجهوية لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا تحولت إلى مجرد نقل للبيروقراطية أو إعادة إنتاج للفساد على المستوى المحلي. لذلك، تبقى الحكامة الجيدة، والشفافية، والكفاءة، عناصر أساسية في إنجاح هذا الورش الوطني الكبير.

كما أن الجهة الحديثة تحتاج إلى موارد مالية مستقرة، وإدارة فعالة، وجامعات ومراكز تكوين مرتبطة باقتصادها المحلي، إلى جانب رؤية استثمارية واضحة تستثمر خصوصياتها الطبيعية والبشرية. فالجهة لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو الشعارات، بل بقدرتها على خلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساته.

وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، يبدو أن المستقبل يتجه نحو دول قوية بمراكز متعددة، لا بمركز وحيد متضخم. فالتنوع لم يعد مصدر تهديد، بل أصبح عنصرًا من عناصر القوة الوطنية حين يُدار بعقلانية وعدالة. وعندما تشعر الجهات بأنها شريك حقيقي في التنمية والقرار، يتعزز الانتماء الوطني، وترتفع الإنتاجية، وتتراجع مظاهر الاحتقان والتهميش.

والمغرب اليوم أمام فرصة تاريخية لترسيخ هذا النموذج، سواء من خلال جعل الأقاليم الجنوبية نموذجًا للحكم الذاتي والتنمية، أو عبر تحويل باقي الجهات إلى فضاءات للإنتاج والابتكار والعدالة المجالية. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهينًا بوجود مؤسسات قوية، ونخب سياسية مسؤولة، وإدارة فعالة، ومجتمع واعٍ يشارك في البناء الوطني.

فالدولة العادلة لا تخشى توزيع الصلاحيات، لأنها تدرك أن الجهة القوية ليست خصمًا للمركز، بل سندًا له. كما أن الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة، حين يُداران بحكمة وتوازن، لا يؤديان إلى تفكيك الدولة، بل إلى تعزيز وحدتها واستقرارها، وبناء نموذج تنموي أكثر عدالة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 28 أبريل 2026
في نفس الركن