صحتنا

التأمل الذهني: أداة فعالة لمواجهة التوتر والقلق في الحياة العصرية


يعيش أكثر من 60% من الفرنسيين تحت وطأة التوتر والقلق بشكل منتظم، وهو ما جعله يُعرف بـ"مرض العصر". ومع تفاقم هذه الظاهرة، أصبح التحكم في التوتر وإدارته أحد أهم التحديات الصحية العامة، لما له من تأثيرات مباشرة على الصحة النفسية والجسدية. ومن بين الأدوات الحديثة والفعالة لمواجهة هذا التوتر، يبرز التأمل الذهني أو ما يعرف بـ"اليقظة الذهنية" كوسيلة مثبتة علميًا للارتقاء بالرفاه النفسي.



ما هو التأمل الذهني؟

التأمل الذهني مستمد من تقاليد قديمة، خاصة من البوذية، ولا سيما أسلوب الفيباسانا الذي يركز على الملاحظة الدقيقة للتجربة الحاضرة. وهو يتضمن سلسلة من الممارسات الذهنية التي تهدف إلى تدريب الانتباه والوعي للارتباط بشكل مختلف بأفكارنا ومشاعرنا وإحساساتنا الجسدية. الهدف الأساسي هو الانفصال عن دوامة الأفكار المتسارعة والوصول إلى حالة من الاسترخاء العميق والصفاء الذهني.

ولقد ساهم الباحث جون كابات-زين في إدخال التأمل الذهني إلى المجال الطبي والعلمي في نهاية السبعينات، حيث رأى فيه أداة فعالة للتعامل مع توتر الأمراض المزمنة وآلامها المستعصية، والتي كانت الطب التقليدي يجد صعوبة في مواجهتها.

كيف يعمل التأمل الذهني؟

يهدف التأمل الذهني إلى تركيز الانتباه على اللحظة الحالية بطريقة مراقِبة وغير حكمية، من خلال ملاحظة الإحساسات الجسدية والأفكار والمشاعر، دون رفضها أو تغذيتها. كما تقول الخبيرة أليس دوفلو، المدربة والمحاضرة في التأمل الذهني:
"الفكرة هي تعلم الابتعاد عن دوامة الأفكار، غالبًا القلقة، التي تلعب دورًا محوريًا في زيادة حدة التوتر"

على الرغم من أن ممارسة التأمل قد تبدو بسيطة من الناحية النظرية، إلا أنها تتطلب التزامًا حقيقيًا وجهدًا مستمرًا، خاصة في ثقافات غربية تميل إلى الأداء والكفاءة منذ سن مبكرة.

التحديات في الحياة العصرية

تجبرنا الحياة الحديثة على العيش في مشروع مستمر نحو المستقبل، سواء للتخطيط أو لتجنب الأخطاء أو لتحقيق النجاح، أو في الانغماس في الماضي والتفكير فيه. هذه الاستمرارية الذهنية تجعل العقل دائم الانشغال والمقارنة والحكم. هنا يأتي التأمل الذهني ليعلّمنا العودة إلى التجربة الحاضرة دون هدف ملموس، ودون ضغط لإنجاز مهمة محددة، ما قد يولد شعورًا بالراحة أو في البداية نوعًا من الانزعاج نتيجة تغيّر نمط التفكير المعتاد.

كما تضيف دوفلو:
"غالبًا ما يُقال إن التأمل أداة لمواجهة الواقع؛ فممارسته لا تعني الانعزال عنه، بل الدخول فيه بوعي كامل، وبهدوء وسلام داخلي"

الفوائد المثبتة علميًا

أظهرت العديد من الدراسات والمراجعات العلمية أن التأمل الذهني يساعد بشكل كبير في تقليل التوتر والقلق وتحسين النوم وتنظيم الانفعالات. وتوضح دوفلو أن التأمل لا يهدف إلى إزالة مصادر التوتر من الحياة اليومية، بل إلى تغيير علاقتنا بها، ما يقلل من حدة التوتر المدرك.

من بين هذه الدراسات، تؤكد مراجعة علمية شاملة عام 2014 أن برامج التأمل يمكن أن تؤدي إلى تخفيف معتدل إلى ملحوظ في أبعاد مختلفة من الضغط النفسي السلبي.

التأمل الذهني أداة فعالة وعلمية لإدارة التوتر والقلق في الحياة العصرية، ويتيح لكل فرد القدرة على إعادة الاتصال باللحظة الراهنة، ومواجهة الضغوط اليومية بوعي وهدوء. ولتحقيق أفضل النتائج، يجب الالتزام بالممارسة المنتظمة والصبر على بناء هذه العادة الذهنية، والتي يمكن أن تحدث تحولًا ملموسًا في الصحة النفسية والرفاه العام.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 27 يناير 2026
في نفس الركن