صحتنا

الأطباء البيطريون الأساتذة الباحثون بالمغرب: ركيزة علمية واستراتيجية تواجه تحديات الاعتراف والإنصاف


يُعدّ الأطباء البيطريون الأساتذة الباحثون بالمغرب أحد الأعمدة الأساسية في منظومة التكوين والبحث العلمي في مجال الطب البيطري، حيث يضطلعون بدور محوري في إعداد الأجيال الجديدة من الأطباء البيطريين، غير أن وضعهم المهني ما يزال يثير نقاشًا واسعًا بسبب ما يعتبرونه اختلالًا في الإنصاف المهني والتعويضات المرتبطة بطبيعة عملهم.



ويُقدَّر عدد هذه الفئة على المستوى الوطني بنحو 23 أستاذًا باحثًا فقط، ما يجعلهم في موقع بالغ الحساسية داخل المنظومة الصحية والعلمية، خاصة وأنهم يشكلون الإطار الأكاديمي الوحيد المسؤول عن التكوين النظري والتطبيقي، وتأطير أطروحات الدكتوراه، والإشراف على البحث العلمي في مجالات الطب البيطري والصحة العمومية البيطرية.

ولا يقتصر دورهم على الجانب الأكاديمي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى مهام سريرية وميدانية داخل المستشفيات البيطرية الجامعية وخارجها، حيث يساهمون في الوقاية من الأمراض الحيوانية، ومحاربة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان (الأمراض الحيوانية المنشأ)، بما يخدم الصحة العامة، خاصة في الوسط القروي الذي يعتمد بشكل كبير على تربية الماشية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الحيوي لهؤلاء الأساتذة الباحثين في إطار مقاربة “الصحة الواحدة” التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، حيث يسهمون في تعزيز الأمن الصحي والغذائي ودعم التنمية القروية، من خلال التكوين، والمراقبة الوبائية، وتأطير ممارسات التربية الحيوانية.

غير أن هذه المهام تتطلب مواجهة مخاطر مهنية حقيقية، تشمل التعرض لمسببات أمراض خطيرة مثل داء الكلب والسل الحيواني، إضافة إلى مخاطر الإصابات الجسدية المرتبطة بالتعامل مع الحيوانات، إلا أن هذه المخاطر، بحسب المعنيين، لا تحظى باعتراف كافٍ على المستوى القانوني أو التعويضي.

ويعتبر الأطباء البيطريون الأساتذة الباحثون أن وضعهم الإداري لم يواكب الإصلاحات التي عرفتها بعض الفئات المماثلة داخل القطاع العمومي، سواء من حيث التعويضات أو الامتيازات المرتبطة بالتخصص، رغم اشتراط الحصول على شهادة الدكتوراه الوطنية للولوج إلى هذا السلك، إلى جانب التكوين البيطري الأساسي.

كما يثيرون مسألة عدم استفادتهم من بعض التعويضات التي تم إقرارها لفائدة فئات أخرى من الأطباء البيطريين، رغم مساهمتهم المباشرة في البحث العلمي والتأطير الأكاديمي الذي يشكل أساس التخصص العلمي نفسه، ما يعمّق، حسب تعبيرهم، شعورًا بعدم المساواة المهنية.

ويأتي هذا الوضع في سياق تراجع عدد الأساتذة الباحثين في هذا المجال من حوالي 45 أستاذًا في بداية الألفية إلى 23 فقط حاليًا، وهو ما يطرح تحديات جدية على مستوى استمرارية جودة التكوين وقدرة المنظومة على الابتكار العلمي ومواكبة التحولات في مجالات الصحة الحيوانية.

ويحذر مهنيون من أن استمرار هذا التراجع قد يؤثر على جودة التكوين البيطري بالمغرب، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى كفاءات علمية قادرة على دعم القطاع الفلاحي وضمان الأمن الصحي والغذائي.

وفي ظل هذه المعطيات، يدعو الأطباء البيطريون الأساتذة الباحثون إلى مراجعة شاملة لوضعهم الإداري والمهني، من خلال الاعتراف بمسؤولياتهم العلمية والطبية، وتمكينهم من التعويضات المرتبطة بالتخصص والمخاطر، بما يضمن الإنصاف ويعزز جاذبية هذا السلك الحيوي.

وفي المحصلة، يتجاوز هذا الملف كونه مطلبًا فئويًا، ليطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل البحث العلمي البيطري بالمغرب، وبمدى قدرة المنظومة على الحفاظ على أحد أهم مكوناتها المرتبطة مباشرة بالصحة العامة والأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 5 ماي 2026
في نفس الركن