صحتنا

اضطرابات التوازن.. عندما يفقد الجسم بوصلته الطبيعية


تُعد اضطرابات التوازن والدوار من أكثر الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى زيارة الطبيب، إذ يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الشعور بعدم الثبات أثناء المشي أو الإحساس وكأنهم يفقدون السيطرة على حركتهم، وهو ما قد يؤثر بشكل كبير في حياتهم اليومية ويزيد من خطر السقوط والإصابات، خاصة لدى كبار السن.



ويؤكد المختصون أن الحفاظ على التوازن يعتمد على منظومة عصبية وحسية معقدة تعمل بانسجام تام، حيث يتلقى الدماغ باستمرار معلومات من ثلاثة مصادر رئيسية هي: الأذن الداخلية، والعينان، والمستقبلات الحسية الموجودة في العضلات والمفاصل وباطن القدمين. ويقوم الدماغ خلال أجزاء من الثانية بتحليل هذه الإشارات وإرسال أوامر دقيقة إلى العضلات للحفاظ على استقامة الجسم أثناء الوقوف أو الحركة.

وتلعب الأذن الداخلية الدور الأبرز في هذه المنظومة، إذ تحتوي على جهاز دهليزي يعمل كحساس طبيعي يرصد جميع حركات الجسم وتسارعه واتجاهه في الفضاء. ومن خلال هذه المعلومات يستطيع الدماغ تحديد وضعية الجسم وضبط التوازن بشكل مستمر، حتى أثناء النوم.

وعندما يحدث خلل في أحد هذه المكونات، سواء في الأذن الداخلية أو الجهاز العصبي أو حاسة البصر أو الإحساس العميق، قد تظهر أعراض مثل الدوار، وعدم الثبات أثناء المشي، والشعور وكأن الأرض تتحرك تحت القدمين، أو الإحساس بالترنح الذي يشبه تأثير تناول الكحول.

وتشير الدراسات إلى أن معظم حالات الدوار ترتبط بمشكلات في الأذن الداخلية، ومن أبرزها الدوار الموضعي الحميد، والصداع النصفي الدهليزي، ومرض منيير، وهي حالات تمثل النسبة الأكبر من اضطرابات التوازن ذات المنشأ المحيطي. وفي المقابل، قد تكون هذه الأعراض أحيانًا مؤشرًا على أمراض عصبية أكثر خطورة، مثل مرض باركنسون، أو التصلب المتعدد، أو اضطرابات تصيب المخيخ، وهو الجزء المسؤول عن تنسيق الحركات.

كما يلفت الخبراء إلى وجود اضطراب مزمن يُعرف باسم "الدوار الإدراكي الوضعي المستمر"، وهو حالة يشعر فيها المريض بعدم الاستقرار والدوخة لفترات طويلة، رغم أن الفحوص الطبية قد لا تكشف عن خلل واضح في أجهزة التوازن. ويحدث ذلك نتيجة اضطراب في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات الحسية، وغالبًا ما يظهر بعد التعرض لنوبة دوار حادة أو موقف صحي أثر في جهاز التوازن.

ويشدد الأطباء على أهمية عدم تجاهل اضطرابات التوازن، خاصة إذا كانت متكررة، أو مصحوبة بسقوط متكرر، أو ضعف في الأطراف، أو اضطرابات في الكلام أو الرؤية، إذ قد تستدعي تقييماً طبياً عاجلاً لتحديد السبب الحقيقي ووضع العلاج المناسب.

ويؤكد المختصون أن التشخيص المبكر والعلاج الموجه، سواء من خلال الأدوية أو إعادة التأهيل الدهليزي أو العلاج الطبيعي، يساعدان بشكل كبير على تحسين التوازن واستعادة القدرة على الحركة بثقة، مما يحد من المضاعفات ويحسن جودة حياة المرضى.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 30 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن