اقتصاديات

ارتباك في مدريد عقب قرار تعليق التصدير : تبعية إسبانيا للسردين المغربي تضع أمنها الصناعي على المحك


يواجه قطاع تعليب ومعالجة الأسماك في إسبانيا حالة من القلق والترقب، عقب الإجراءات التي أعلنت عنها زكية الدريوش كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري في المغرب، والمتعلقة بالتعليق المؤقت لصادرات السردين المجمد ابتداءً من 1 فبراير 2026. وتأتي هذه الخطوة المغربية كإجراء حمائي يهدف إلى إعطاء الأولوية لتموين السوق المحلية في ظل نقص ملحوظ في عمليات الصيد، إلا أنها تضع الصناعة الإسبانية في مواجهة مباشرة مع خطر نقص المواد الخام.



وتشير البيانات الاقتصادية لعام 2025 إلى عمق الاعتماد الإسباني على المورد المغربي؛ فبين شهري يناير وأكتوبر من العام الماضي، استقبلت المصانع الإسبانية حوالي 27,400 طن من السردين المغربي، وهو ما يمثل 94% من إجمالي واردات إسبانيا من هذا الصنف من خارج الاتحاد الأوروبي. هذا التركز في التوريد يجعل من أي قرار سيادي مغربي بالتعليق بمثابة هزة أرضية تضرب استقرار قطاع التعليب في شبه الجزيرة الإيبيرية، الذي يعتمد على هذه التدفقات لضمان استمرارية خطوط الإنتاج وفرص العمل.
 

تذمر إسباني ومطالب بتدخل المفوضية الأوروبية
 

من جانبها، سارعت جمعية (ANFACO-CYTMA)، التي تمثل مصالح قطاع التعليب الإسباني، إلى التعبير عن مخاوفها للحكومة الإسبانية والمفوضية الأوروبية. وتشدد الجمعية على ضرورة أن تخضع إدارة المخزونات السمكية لمعايير تقنية وعلمية محضة، بالتعاون مع هيئات دولية مثل المعهد الإسباني لعلوم المحيطات (IEO)، بعيداً عن القرارات التي قد تُفسر كإجراءات حمائية تضر بالتجارة الدولية.

ويرى روبرتو ألونسو، الأمين العام للجمعية، أن القرار يحمل نوعاً من التناقض؛ إذ في الوقت الذي يسعى فيه لحماية السوق الداخلية المغربية، فإنه يضمن توفير المادة الخام لمصانع التعليب المغربية التي تصدر منتجاتها النهائية لاحقاً إلى أوروبا، مما يضع الصانع الإسباني في وضعية منافسة غير متكافئة.
 

تأثير التعليق على الاقتصاد المغربي : السيادة الغذائية والقيمة المضافة
 

بالنسبة للاقتصاد المغربي، يحمل هذا القرار تداعيات استراتيجية هامة؛ فهو يهدف أولاً إلى حماية القدرة الشرائية للمواطن المغربي عبر ضمان وفرة "بروتين الفقراء" في الأسواق الوطنية بأسعار مستقرة، خاصة في ظل تراجع كميات الصيد. ومن ناحية أخرى، يمثل الإجراء خطوة نحو تعزيز التصنيع المحلي؛ فبدلاً من تصدير السردين كمادة خام (مجمدة) تستفيد منها المصانع الأوروبية، يتم توجيه هذه الكميات نحو وحدات التعليب الوطنية. ه

ذا التحول يساهم في رفع القيمة المضافة للمنتج المغربي، وخلق فرص شغل إضافية، وتحويل العجز في تصدير الخام إلى نمو في تصدير المنتجات النهائية المعلبة ذات العائد المادي الأكبر من حيث العملة الصعبة.
 

مستقبل الشراكة التجارية 
 

إن الأرقام تعكس بوضوح حجم هذه المنافسة؛ فقد استورد الاتحاد الأوروبي في عام 2025 ما يقارب 17,538 طناً من السردين المعلب من المغرب، مما يكرس مكانة المملكة كأكبر مورد غير أوروبي والمنافس الأول للصناعة الإسبانية التي أنتجت 13,503 أطنان فقط في عام 2024. هذا التحول الهيكلي في السوق، حيث ينتقل المغرب من مورد للمادة الخام إلى مصدر للمنتج النهائي، يثير هواجس قانونية وتجارية لدى الجانب الإسباني، لكنه يعكس نضجاً في الرؤية الاقتصادية المغربية التي تضع الأمن الغذائي والتصنيع الوطني فوق اعتبارات التصدير الخام.


عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 10 مارس 2026
في نفس الركن