فن وفكر

إصلاح دعم المسرح في المغرب 2026: بنسعيد يرفع المنح ويراهن على الجودة والاحتراف


في خطوة جديدة تعكس التحول الذي يشهده المشهد الثقافي بالمغرب، أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد عن إطلاق إصلاح شامل لمنظومة الدعم العمومي الموجه لقطاع المسرح، في إطار رؤية تروم الارتقاء بجودة الإنتاج الفني وتعزيز الاحتراف داخل هذا المجال الحيوي. هذا الإصلاح، الذي يأتي عبر تعديل القرار المشترك الخاص بدعم المشاريع الثقافية والفنية، لا يقتصر على مراجعة الأرقام فقط، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة هيكلة عميقة لآليات التمويل والتقييم، بما ينسجم مع تطلعات الفاعلين المسرحيين وانتظارات الجمهور المغربي.



رؤية جديدة لدعم المسرح الوطني

حسب بلاغ الوزارة، فإن المشروع الجديد يندرج ضمن توجه استراتيجي يروم الانتقال من منطق الدعم الكمي إلى دعم نوعي يركز على الجودة والابتكار. ويعكس هذا التحول وعياً متزايداً بأهمية المسرح كرافعة ثقافية وفنية، قادرة على المساهمة في النقاش المجتمعي وتعزيز الإبداع الوطني.

ويرتكز هذا التوجه على معايير أكثر صرامة في انتقاء المشاريع، مع إعطاء الأولوية للأعمال التي تحمل قيمة فنية مضافة، وتستجيب لمتطلبات الاحترافية، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو التشخيص.

رفع المنح المالية لتحفيز الإنتاج
من أبرز مستجدات هذا الإصلاح، الرفع من السقوف المالية المخصصة للدعم، في خطوة طال انتظارها من طرف المهنيين. فقد تم تحديد سقف دعم إنتاج وترويج الأعمال المسرحية في 300 ألف درهم، بعد أن كان لا يتجاوز 200 ألف درهم، وهو ما من شأنه أن يخفف من الإكراهات المالية التي تواجه الفرق المسرحية.

كما تم رفع دعم توطين الفرق المسرحية إلى 800 ألف درهم، مقابل 700 ألف درهم سابقاً، في حين شهدت الجولات المسرحية الوطنية زيادة ملحوظة، حيث انتقلت من 200 ألف إلى 300 ألف درهم، في إطار تشجيع انتشار العروض داخل مختلف جهات المملكة.ولم تغب الإقامات الفنية وورشات الكتابة عن هذا التعديل، إذ تم رفع سقف دعمها إلى 60 ألف درهم، مقابل 50 ألفاً في السابق، فيما تم تحديد 150 ألف درهم كحد أقصى لدعم المهرجانات الوطنية، و100 ألف درهم للمشاركة في التظاهرات الدولية.

سيولة أكبر وآليات صرف أكثر مرونة
في استجابة واضحة لمطالب الفاعلين في القطاع، أدخلت الوزارة تعديلات مهمة على مستوى صرف الدعم، حيث تم رفع قيمة الدفعة الأولى إلى 50 في المائة من إجمالي المنحة مباشرة بعد توقيع العقد، بدل 40 في المائة سابقاً.ومن شأن هذا الإجراء أن يوفر سيولة مالية أكبر للفرق المسرحية في بداية مشاريعها، مما يساهم في تحسين ظروف الإنتاج وتفادي التعثرات المرتبطة بنقص التمويل.

في المقابل، تم ربط صرف الدفعات المتبقية بمدى احترام الالتزامات التعاقدية وتقديم العروض، إلى جانب إلزام المستفيدين بتقديم تقارير مالية دقيقة ومصادق عليها من طرف محاسب معتمد، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان حسن تدبير المال العام.

شروط جديدة لتعزيز الاحتراف
على مستوى التنظيم، شدد المشروع على ضرورة توفر الفرق المسرحية المرشحة على تجربة لا تقل عن خمس سنوات من العمل المنتظم، وهو ما يعكس رغبة الوزارة في دعم الفرق ذات المسار المهني الواضح.

كما تم التأكيد على احترام التخصصات الفنية داخل المشاريع، خاصة في مجالات الإخراج والسينوغرافيا والتشخيص، مع إلزام الفرق بتقديم عقود مصادق عليها لكافة المشاركين، بما يضمن حقوق العاملين في القطاع ويكرس مبدأ الاحتراف.وفي السياق ذاته، تم تحديد تعويضات أعضاء لجنة دراسة المشاريع في 25 ألف درهم لكل عضو عن كل دورة، إلى جانب إقرار تعويضات خاصة لأعضاء اللجنة الإدارية، بهدف تحسين ظروف عمل هذه اللجان وضمان استقلاليتها.

بين دعم الشباب وضمان الاستمرارية

يحاول هذا الإصلاح تحقيق توازن دقيق بين دعم الطاقات الشابة الصاعدة، التي تشكل مستقبل المسرح المغربي، وضمان استمرارية الفرق المسرحية القائمة التي راكمت تجربة مهمة عبر السنوات.وتسعى الوزارة من خلال هذا التوجه إلى خلق دينامية جديدة داخل القطاع، قائمة على التنافس الإيجابي، وتحفيز الإبداع، وفتح المجال أمام تجارب فنية مبتكرة قادرة على مواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية.

نحو مسرح مغربي أكثر إشعاعاً
في المحصلة، يعكس هذا الإصلاح إرادة واضحة لإعادة الاعتبار للمسرح المغربي، ليس فقط كفن ترفيهي، بل كفضاء للتعبير والحوار والإبداع. كما يؤكد على أهمية الاستثمار في الثقافة كرافعة للتنمية، وعنصر أساسي في بناء مجتمع متوازن ومنفتح.ومع دخول هذه الإجراءات حيز التنفيذ، يترقب الفاعلون في القطاع مدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في بنية الإنتاج المسرحي، وتحقيق نقلة نوعية تعيد للمسرح المغربي بريقه ومكانته داخل المشهد الثقافي الوطني والدولي.




الثلاثاء 31 مارس 2026
في نفس الركن