حياتنا

إصلاح المستشفى العمومي... المدخل الحقيقي لإنجاح ورش التأمين الإجباري عن المرض


يشكل تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أحد أبرز الأوراش الاجتماعية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في إطار تكريس الحق في الولوج إلى الخدمات الصحية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية. غير أن نجاح هذا الورش، رغم أهميته، يظل رهينًا بوجود منظومة صحية عمومية قادرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين، إذ إن التغطية الصحية وحدها لا تكفي إذا لم تتوفر مؤسسات علاجية فعالة تقدم خدمات ذات جودة.



وفي هذا السياق، برزت دعوات متزايدة إلى ضرورة جعل إصلاح المستشفى العمومي أولوية وطنية، باعتباره الركيزة الأساسية لضمان استدامة نظام التأمين الإجباري عن المرض، وليس مجرد مرفق يحتاج إلى الإنقاذ. فالتأمين الصحي يوفر آليات التمويل والتعويض، لكنه لا يستطيع تعويض النقص في الأطباء أو الأسرة أو التجهيزات أو الخدمات الاستعجالية، وهي عناصر تظل أساس الحق الفعلي في العلاج.

ويأتي هذا النقاش في أعقاب مداخلات الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، خلال لقاء نظمته رابطة الأطباء الاستقلاليين، حيث شدد على أن مستقبل ورش التغطية الصحية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقوة المستشفى العمومي وقدرته على تقديم خدمات صحية متكاملة للمواطنين.

ويرى متابعون أن أي اختلال في أداء المستشفيات العمومية سيدفع أعدادًا متزايدة من المؤمنين إلى اللجوء إلى المصحات الخاصة، وهو ما سيرفع من كلفة العلاج على صناديق التأمين وعلى الأسر، ويهدد التوازن المالي لمنظومة التأمين الصحي على المدى البعيد.

وتشير المعطيات التي تم عرضها خلال اللقاء إلى أن غالبية نفقات المؤمنين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي تتجه نحو القطاع الخاص، الذي يقدم خدمات بتكاليف أعلى مقارنة بالمؤسسات الصحية العمومية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى قدرة منظومة التأمين الإجباري على الاستمرار بنفس الوتيرة إذا استمر هذا التوجه.

ولا يتعلق الأمر، بحسب المتدخلين، بالمفاضلة بين القطاعين العام والخاص، فلكل منهما دور أساسي داخل المنظومة الصحية، غير أن المستشفى العمومي يظل الضامن الأول لتقديم الخدمات الاستعجالية، ورعاية الحالات المعقدة، واستقبال الفئات الهشة، وتأمين استمرارية المرفق الصحي في مختلف الظروف.

ومن بين الأولويات المطروحة أيضًا، إعادة الاعتبار للرعاية الصحية الأولية وتقوية مراكز القرب، عبر تعميم طب الأسرة، وتوفير طبيب مرجعي للمواطن، وتحسين التنسيق بين مختلف مستويات العلاج، بما يخفف الضغط عن أقسام المستعجلات التي أصبحت تستقبل حالات كان من الممكن علاجها في المراكز الصحية المحلية.

كما دعا عدد من المختصين إلى إطلاق إصلاح شامل لمنظومة المستعجلات، يشمل اعتماد رقم وطني موحد للطوارئ، وتعزيز خدمات الإسعاف، وربط سيارات الإسعاف بمنظومة رقمية تحدد مواقعها، مع توفير معلومات آنية حول أقسام الإنعاش والعمليات، خاصة بالمناطق القروية والجبلية التي تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات الصحية.

ويظل العنصر البشري في صلب أي إصلاح مرتقب، إذ يتطلب النهوض بالمنظومة الصحية الاستثمار في تكوين الأطر الطبية والتمريضية، وتحسين ظروف عملها، وتحفيزها على الاستقرار بالمناطق النائية، إلى جانب الحد من هجرة الكفاءات التي أصبحت تشكل تحديًا حقيقيًا أمام القطاع الصحي.

كما يبرز إصلاح الحكامة كأحد المفاتيح الأساسية لإنجاح هذا الورش، من خلال منح المؤسسات الصحية استقلالية أكبر في التدبير، مقابل اعتماد آليات واضحة للمحاسبة وتقييم الأداء وضمان جودة الخدمات، بما يحقق العدالة المجالية ويعزز ثقة المواطنين في المرفق العمومي.

ويرى متابعون أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يقتصر على توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الصحي، بل يتمثل أساسًا في توفير عرض صحي عمومي قادر على مواكبة هذا التوسع، حتى تتحول الحماية الاجتماعية من مجرد حق قانوني إلى خدمة ملموسة يشعر بها المواطن أينما كان، سواء في المدن الكبرى أو في المناطق البعيدة.

وفي ظل الإصلاحات التي يشهدها قطاع الصحة، يبقى تقوية المستشفى العمومي أحد أهم الرهانات لضمان نجاح ورش الدولة الاجتماعية، باعتباره الدعامة الأساسية التي تضمن العلاج العادل، والسريع، والمتكافئ لجميع المواطنين.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 29 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن