صحتنا

إدمان الدوبامين الرقمي.. ماذا يفعل الاستخدام المفرط للهاتف بالدماغ؟


لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال أو تصفح الأخبار، بل تحول إلى رفيق دائم يرافق الإنسان منذ لحظة استيقاظه وحتى قبل أن يغمض عينيه للنوم. فبين إشعارات التطبيقات، ومقاطع الفيديو القصيرة، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، يجد كثيرون أنفسهم يلتقطون هواتفهم عشرات، بل مئات المرات يومياً، أحياناً دون سبب واضح.



هذه السلوكيات دفعت الباحثين إلى الحديث عن ظاهرة تُعرف بـ**"إدمان الدوبامين الرقمي"**، وهي حالة لا ترتبط بإدمان مادة كيميائية، وإنما بنمط من السلوك المتكرر الذي يحفز مراكز المكافأة في الدماغ، ويجعل الشخص يبحث باستمرار عن جرعات جديدة من التحفيز والإثارة.

ما هو الدوبامين؟

الدوبامين هو ناقل عصبي يفرزه الدماغ، ويؤدي دوراً أساسياً في الشعور بالمكافأة والتحفيز والتعلم. وعندما ينجز الإنسان عملاً مهماً، أو يحقق هدفاً، أو يتلقى خبراً ساراً، يرتفع مستوى الدوبامين، فيشعر بالرضا والسعادة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يحصل الدماغ على هذه المكافآت بشكل متكرر وسريع، كما يحدث عند تلقي الإعجابات، والإشعارات، أو مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تتجاوز بضع ثوانٍ. فكل إشعار جديد يمنح الدماغ دفعة صغيرة من الدوبامين، ما يدفعه إلى الرغبة في تكرار التجربة مراراً.

كيف يغيّر الهاتف طريقة عمل الدماغ؟

تعتمد تطبيقات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو على تصميمات ذكية تجعل المستخدم يستمر في التصفح لأطول وقت ممكن. فالتمرير اللانهائي، والإشعارات الفورية، والمحتوى المتجدد باستمرار، كلها عناصر تستهدف نظام المكافأة في الدماغ.

ومع مرور الوقت، يعتاد الدماغ على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، فيصبح من الصعب الاستمتاع بالأنشطة اليومية البسيطة، مثل قراءة كتاب، أو إنجاز مهمة تتطلب تركيزاً، أو حتى إجراء حديث طويل مع الآخرين.

علامات قد تشير إلى الإدمان الرقمي

لا يعني الاستخدام المكثف للهاتف بالضرورة وجود إدمان، لكن هناك مؤشرات تستحق الانتباه، من بينها:

الشعور بالحاجة المستمرة إلى تفقد الهاتف دون سبب.
القلق أو التوتر عند نفاد البطارية أو فقدان الاتصال بالإنترنت.
صعوبة التركيز في الدراسة أو العمل.
فقدان الإحساس بالوقت أثناء تصفح التطبيقات.
الاستمرار في استخدام الهاتف رغم تأثيره السلبي على النوم أو العلاقات الاجتماعية.
الشعور بالملل سريعاً عند الابتعاد عن الشاشات.

ماذا يحدث للتركيز والذاكرة؟

تشير دراسات حديثة إلى أن التنقل المستمر بين التطبيقات والإشعارات يضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة، إذ يعتاد الدماغ على الانتقال السريع بين المهام بدلاً من التعمق في مهمة واحدة.

كما أن الانقطاع المتكرر بسبب الإشعارات يجعل العودة إلى التركيز الكامل تستغرق وقتاً أطول، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية، والتحصيل الدراسي، وجودة الأداء المهني.

التأثير في الصحة النفسية

يرتبط الاستخدام المفرط للهواتف الذكية أيضاً بزيادة مستويات التوتر والقلق لدى بعض الأشخاص، خاصة مع المقارنة المستمرة بالآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي، أو الخوف من فوات الأحداث، وهي الظاهرة المعروفة باسم FOMO (الخوف من فوات الفرص).

كما قد يؤدي التعرض المستمر للمحتوى السريع إلى تقلبات في المزاج، والشعور بالفراغ عند الابتعاد عن الهاتف، واضطرابات في النوم نتيجة استخدام الشاشات قبل موعد النوم.

هل يمكن استعادة توازن الدماغ؟

الخبر الجيد هو أن الدماغ يمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة تنظيم نفسه عند تغيير العادات اليومية.

وينصح الخبراء باتباع مجموعة من الخطوات العملية، منها:

تخصيص أوقات محددة لاستخدام الهاتف.
إيقاف الإشعارات غير الضرورية.
تجنب استخدام الهاتف خلال الساعة الأولى بعد الاستيقاظ، وقبل النوم بساعة على الأقل.
ممارسة الرياضة بانتظام، لأنها تحفز إفراز الدوبامين بصورة طبيعية ومتوازنة.
القراءة أو ممارسة الهوايات التي تتطلب تركيزاً.
تخصيص أوقات يومية خالية تماماً من الشاشات.
قضاء وقت أطول مع العائلة والأصدقاء بعيداً عن الأجهزة الإلكترونية.

هل نحن أمام إدمان حقيقي؟

يرى المختصون أن مصطلح "إدمان الدوبامين" يُستخدم غالباً لوصف سلوكيات مرتبطة بالاستخدام القهري للتكنولوجيا، وليس تشخيصاً طبياً مستقلاً. ومع ذلك، فإن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية قد يتحول إلى مشكلة حقيقية عندما يؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية أو الصحة النفسية.

التكنولوجيا ليست العدو

لا يمكن إنكار أن الهواتف الذكية غيّرت حياتنا إلى الأفضل في مجالات التعليم والعمل والتواصل، لكن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها.

فكلما زادت سيطرة الهاتف على وقتنا وانتباهنا، تراجعت قدرتنا على الاستمتاع بالأشياء البسيطة التي تمنح الدماغ مكافآت طبيعية، مثل الرياضة، والقراءة، والإنجاز، والتواصل الإنساني الحقيقي.

في عصر الاقتصاد الرقمي، أصبحت المنافسة لا تدور فقط حول جذب المستخدمين، بل حول الاستحواذ على انتباههم. وبين الإشعارات المتواصلة والمحتوى اللامتناهي، يجد الدماغ نفسه في دائرة من التحفيز المستمر قد تؤثر في تركيزه وصحته النفسية إذا غاب التوازن.

ولذلك، فإن بناء علاقة صحية مع التكنولوجيا لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة للحفاظ على صفاء الذهن، وجودة الحياة، والقدرة على التركيز في عالم لا يتوقف عن المطالبة بانتباهنا.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 31 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن