حياتنا

أساتذة متدربون عالقون بين قرارات الوزارة واحتجاجات المكوّنين


يعيش المئات من الأساتذة المتدربين الجدد، بجهة طنجة تطوان الحسيمة وبمختلف ربوع المملكة، وضعاً مأساوياً غير مسبوق، يجمع بين قسوة التعيين في مناطق بعيدة، وبرودة قاعات تكوين فارغة، بعدما اصطدمت أحلامهم المهنية بواقع إداري ونقابي متشنج. واقعٌ دشنته النقابة الوطنية للتعليم العالي بقرار مقاطعة التكوين خلال الفترة الممتدة من 25 يناير إلى فاتح فبراير 2026، وهو القرار الذي حوّل مراكز التكوين إلى قاعات انتظار كبرى، يجترّ فيها الناجحون خيباتهم في غياب أي تأطير بيداغوجي.



فرحة النجاح في مباراة التعليم، التي يفترض أن تشكل بوابة الاستقرار المهني والاجتماعي، تحولت بالنسبة لهؤلاء المتدربين إلى مأساة حقيقية، في ظل ما وصفه متضررون بـ“هندسة تعيينات انتقامية” ضربت عرض الحائط بمبادئ الاستحقاق والقرب الجغرافي. فقد تم تسجيل حالات لناجحين من الرباط جرى تعيينهم بوجدة، وأخرى من تطوان أُرسلت إلى كلميم، في خرق سافر لروح الجهوية المتقدمة ومبدأ العدالة المجالية.

وقد فرضت هذه التعيينات القسرية أعباء مادية ثقيلة على كاهل المتدربين، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على كراء مساكن في مدن لا يعرفونها، وتحمل مصاريف تنقل مرتفعة، مقابل منحة تكوين هزيلة لا تغطي حتى الحاجيات الأساسية. وضع دفع عدداً منهم إلى التفكير الجدي في الاستقالة ومغادرة التكوين قبل أن ينطلق فعلياً.

وزاد من حدة هذا الوضع الضغط الزمني غير المسبوق الذي مارسته الوزارة الوصية، بإلزام الناجحين بالالتحاق بمقرات التعيين يوم 12 يناير، مباشرة بعد الإعلان عن النتائج، دون منحهم أي مهلة لترتيب أوضاعهم السكنية والاجتماعية. ليجدوا أنفسهم اليوم عالقين داخل مراكز تكوين باردة، بلا مكوّنين وبلا برنامج واضح، في ظل رفض الأساتذة المؤطرين الاشتغال، احتجاجاً على ما وصفوه بالتدبير العبثي والقرارات الانفرادية المعتمدة على وثائق مجهولة المصدر.

وفي خضم هذا الصراع المفتوح بين الوزارة والمكونين، يدفع الأساتذة المتدربون وحدهم ثمن هذا الاحتقان، من زمنهم التكويني، واستقرارهم النفسي، ومستقبلهم المهني. وهو وضع ينذر بتخريج أفواج من الأساتذة فاقدي التكوين الحقيقي، حيث سيتم اختزال الزمن البيداغوجي في أسابيع معدودة، يتم خلالها حشو المعارف وتمرير الامتحانات بشكل صوري، فقط لتغطية الفشل في تدبير الموسم التكويني.

ولا تقف خطورة هذا السيناريو عند حدود المتدربين، بل تمتد إلى المنظومة التعليمية برمتها، إذ سيستقبل التلاميذ في الموسم المقبل أطرًا مثقلة بالإحباط وضعف التأهيل، وهو ما يهدد جودة التعليم ويقوض أي حديث عن الإصلاح.

وتتحمل الوزارة الوصية المسؤولية الكاملة عن هذا المسلسل التراجيدي، نتيجة تأخيرها غير المبرر للمباريات، واعتمادها منطق التعيين المركزي العشوائي، الذي شتّت شمل الأسر، واستنزف جيوب العاطلين الناجحين، وزجّ بهم في مواجهة لا دخل لهم فيها مع المكوّنين. فهؤلاء لم يطلبوا سوى فرصة عادلة للتكوين والعمل، لكنهم وجدوا أنفسهم في قطاع يستقبل وافديه الجدد بالبرد، والغياب، والتهجير، بدل الاحتضان والتأهيل.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 26 يناير 2026
في نفس الركن