فن وفكر

أزمة دار “غراسيه” الفرنسية تتصاعد: بولوريه يتحدى مقاطعة الكتّاب ويؤكد مواصلة النشر بأصوات جديدة


تشهد الساحة الأدبية في فرنسا واحدة من أبرز الأزمات التي هزّت عالم النشر في السنوات الأخيرة، بعدما دخلت دار غراسيه في مواجهة مفتوحة مع عشرات الكتّاب الذين أعلنوا مقاطعتها، احتجاجاً على ما وصفوه بتدخلات تمس استقلالها التحريري.وفي قلب هذه الأزمة، خرج رجل الأعمال الفرنسي فانسان بولوريه، المالك الجديد للمجموعة التي تضم الدار، بتصريحات حادة، تعهّد فيها بالاستمرار في مسار النشر، ولو اقتضى الأمر تعويض الكتّاب المنسحبين بأصوات جديدة.



​مقاطعة غير مسبوقة تهز دار نشر عريقة

بدأت ملامح الأزمة تتشكل بعد إعلان نحو 170 كاتباً وقف تعاونهم مع دار “غراسيه”، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ النشر الفرنسي، احتجاجاً على إبعاد المدير التنفيذي أوليفييه نورا، الذي قاد الدار لمدة 26 عاماً.

ويعتبر نورا من الأسماء البارزة في عالم النشر، حيث تمكن خلال فترة إدارته من قيادة الدار نحو تحقيق نجاحات كبيرة، من بينها الفوز بـ17 جائزة غونكور، وهو ما جعل قرار رحيله يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الثقافية.

وفي رسالة مفتوحة، عبّر الكتّاب عن رفضهم لما وصفوه بـ”هجوم غير مقبول على الاستقلال التحريري”، محمّلين بولوريه مسؤولية هذا التحول الذي اعتبروه تهديداً لهوية الدار.

بولوريه يرد: “غراسيه ستستمر”

في المقابل، لم يتأخر رد بولوريه، الذي عبّر عن استغرابه من حجم الجدل، منتقداً ما اعتبره “مبالغة” في ردود الفعل.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة لو جورنال دو ديمانش، التي يملكها، هاجم بولوريه الكتّاب المقاطعين، واصفاً إياهم بـ”مجموعة صغيرة تعتقد أنها فوق الجميع”.

وأكد رجل الأعمال أن دار “غراسيه” ستواصل نشاطها بشكل طبيعي، مشدداً على أن انسحاب بعض الكتّاب سيفتح المجال أمام اكتشاف مواهب جديدة، قائلاً إن “من يغادرون سيفسحون الطريق لمؤلفين جدد سيتم الترويج لهم والاعتراف بهم”.

خلفيات سياسية وأيديولوجية للأزمة

لا تنفصل هذه الأزمة عن السياق الأوسع المرتبط بتوسع إمبراطورية بولوريه الإعلامية، التي باتت تضم عدداً من المؤسسات الإعلامية الكبرى، من بينها قنوات تلفزيونية وإذاعات وصحف، إضافة إلى دور نشر.

ويرى منتقدو بولوريه أن توجهاته المحافظة قد تؤثر على الخط التحريري لهذه المؤسسات، وهو ما عبّر عنه الكتّاب في رسالتهم، حيث أشاروا إلى تجارب سابقة في مؤسسات مثل “آي تيلي” و”أوروبا 1”، معتبرين أن هناك توجهاً نحو “تسييس” الإعلام والنشر.

وفي هذا السياق، وقّع أكثر من 300 كاتب وشخصية من عالم النشر مقالاً مشتركاً عبّروا فيه عن قلقهم من “التحولات الأيديولوجية” داخل المؤسسات التابعة لبولوريه.

دفاع عن التعددية وحرية النشر

في مواجهة هذه الانتقادات، شدد بولوريه على أنه “ديمقراطي مسيحي”، نافياً أي نية لفرض توجه أيديولوجي معين على دور النشر التابعة له.

وأكد أن مجموعة هاشيت، التي استحوذ عليها، ستواصل نشر أعمال مختلف الكتّاب، بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية، ما داموا يرغبون في نشر كتبهم.

كما أرجع جزءاً من الخلاف إلى مسائل داخلية، من بينها اختلاف حول توقيت إصدار كتاب للكاتب بوعلام صنصال، إلى جانب انتقاده لتدبير نورا المالي، مشيراً إلى تراجع رقم معاملات الدار بنسبة 25 في المائة خلال سنة 2025، مقابل ارتفاع راتبه.

دار “غراسيه” بين الماضي العريق والتحديات الراهنة

تُعد دار “غراسيه” واحدة من أعرق دور النشر في فرنسا، حيث ارتبط اسمها بكبار الأدباء، من بينهم فرانسوا مورياك وأندريه مالرو، ما يجعل الأزمة الحالية ذات أبعاد رمزية تتجاوز مجرد خلاف إداري.

كما انضم إلى قائمة المقاطعين عدد من الأسماء البارزة في الأدب الفرنسي، من بينهم برنار هنري ليفي وفيرجيني ديبانت وسورج شالاندون، وهو ما يعكس حجم التوتر داخل الوسط الثقافي.

بين حرية التعبير واستقلالية النشر

تعيد هذه الأزمة إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول العلاقة بين المال والثقافة، وحدود تأثير المستثمرين على الخط التحريري للمؤسسات الثقافية.

فبينما يرى البعض أن دخول رؤوس الأموال الكبيرة يساهم في تطوير القطاع وتحديثه، يخشى آخرون من أن يؤدي ذلك إلى تقليص هامش الحرية والتعددية داخل المشهد الثقافي.

مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات

في ظل استمرار هذا التوتر، تبقى دار “غراسيه” أمام تحدٍ حقيقي للحفاظ على مكانتها في سوق النشر، خاصة في ظل فقدانها لعدد من أبرز كتّابها.

في المقابل، يراهن بولوريه على تجديد الدماء داخل الدار، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، في خطوة قد تعيد تشكيل ملامح المشهد الأدبي الفرنسي خلال السنوات المقبلة.

وبين هذا وذاك، تظل الأزمة مرشحة للتصعيد، في انتظار ما ستسفر عنه المواجهة بين منطق الاستثمار ومنطق الاستقلال الثقافي، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في فرنسا اليوم.




الاثنين 20 أبريل 2026
في نفس الركن