لوديجي ستوديو

آش ندير ورا الباك ؟ التوجيه المدرسي في زمن الذكاء الاصطناعي.. قرار اليوم يصنع مهنة الغد..


لم يعد التوجيه المدرسي والمهني بعد الحصول على شهادة الباكالوريا مجرد خطوة إدارية لاختيار مؤسسة أو شعبة دراسية، بل أصبح قرارا استراتيجيا يحدد، إلى حد كبير، موقع الطالب داخل سوق عمل سريع التحول. فبين رغبات الأبناء، وتطلعات الأسر، وضغط المعدلات، وتغير مهن المستقبل، يجد العديد من الطلبة أنفسهم أمام سؤال صعب: أي تخصص أختار؟ وكيف أتأكد أن هذا الاختيار لن يصبح بعد سنوات طريقا مسدودا؟

النقاش الذي تناوله الفيديو أعاد طرح هذا السؤال من زاوية عملية، بعيدا عن النصائح العامة. فقد شدد على أن التوجيه الناجح لا يقوم فقط على ميولات الطالب، ولا فقط على متطلبات سوق الشغل، بل على التوازن بين الاثنين. فالطالب يحتاج إلى أن يعرف قدراته الحقيقية، اهتماماته، مستوى اجتهاده، وطبيعة المهن التي يمكن أن تناسبه، لكنه يحتاج أيضا إلى فهم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد تشكيل سوق العمل.

وفي مقدمة هذه التحولات برز الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد تخصص مستقبلي بعيد، بل أصبح عاملا مؤثرا في عدد كبير من المهن والتكوينات. فالتخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، علم البيانات، الأمن السيبراني، الإنفوغرافيا، الطاقات المتجددة، صناعة السيارات والطائرات، والخدمات الرقمية، أصبحت من بين المجالات التي تشهد طلبا متزايدا، سواء في المغرب أو خارجه. غير أن الفيديو نبه إلى نقطة مهمة: التعامل مع التكنولوجيا لا يعني الاكتفاء باستعمال الأدوات، بل يتطلب فهما، إبداعا، تكوينا جيدا، وقدرة على إنتاج قيمة مضافة.

كما توقف النقاش عند أهمية اللغات الأجنبية في بناء المسار الدراسي والمهني. فاللغة لم تعد مجرد مادة مدرسية، بل أصبحت مفتاحا للولوج إلى الجامعات والمعاهد، ومصدرا لقوة تنافسية داخل سوق العمل. إتقان الفرنسية والإنجليزية، وربما لغات أخرى، يمنح الطالب قدرة أكبر على متابعة التكوينات الحديثة، الاطلاع على المعارف الجديدة، والتفاعل مع بيئات مهنية دولية. وفي عالم تتحرك فيه المعرفة بسرعة، يصبح ضعف اللغات عائقا حقيقيا أمام الطموح.

ومن بين النقاط التي شكلت رسالة مطمئنة للأسر، التأكيد على وجود منح دراسية وفرص دعم يمكن أن تساعد الطلبة المتفوقين، حتى في حال محدودية الموارد المالية. فقد أشار الفيديو إلى منح رسمية وخاصة، بعضها قد يغطي جزءا كبيرا من تكاليف الدراسة، وقد يصل في بعض الحالات إلى تغطية كاملة. لكن الاستفادة من هذه الإمكانيات لا تتم بالصدفة، بل تتطلب ملفا قويا، معدلات جيدة، متابعة مبكرة، ومعرفة دقيقة بآجال الترشيح وشروط المؤسسات.

غير أن جوهر الإشكال ظل مرتبطا بالفجوة بين التكوين وسوق الشغل. فالمغرب، مثل عدد من الدول، يواجه تحدي عدم التطابق بين ما يتعلمه بعض الطلبة وما تحتاجه المقاولات والقطاعات الصاعدة. لذلك لم يعد كافيا اختيار تخصص معروف أو شائع، بل أصبح ضروريا التفكير في قابلية هذا التخصص للتطور، وفي المهارات التي يمنحها للطالب، وفي قدرته على فتح أبواب مهنية حقيقية.

ولهذا دعا النقاش إلى بدء عملية التوجيه مبكرا، قبل السنة الأخيرة من الباكالوريا. فانتظار لحظة النتائج لاتخاذ القرار قد يدفع الطالب إلى اختيارات مرتجلة، تحت الضغط أو التقليد أو الخوف. أما التوجيه المبكر فيسمح بتحديد مشروع شخصي واضح، يقوم على معرفة الذات، دراسة الخيارات، زيارة المؤسسات، استشارة المختصين، والانفتاح على المهن الجديدة.

ويكتسب دور الأسرة هنا أهمية خاصة. فالأهل لا ينبغي أن يفرضوا اختياراتهم أو يعيدوا إنتاج طموحاتهم الخاصة عبر أبنائهم، بل عليهم أن يرافقوا الطالب، يساعدوه على طرح الأسئلة الصحيحة، ويدعموه نفسيا ومعرفيا. فالتوجيه ليس قرارا يتخذه الطالب وحده في عزلة، ولا قرارا تفرضه الأسرة من الخارج، بل هو مسار حوار وتخطيط ومراجعة.

في الخلاصة، يؤكد هذا النقاش أن ما بعد الباكالوريا لم يعد مرحلة عبور عادية، بل أصبح لحظة تأسيس لمسار كامل. فالطالب الذي يختار بوعي، ويتعلم اللغات، ويتابع تحولات سوق العمل، ويستفيد من المنح والفرص، ويضع مشروعا شخصيا واضحا، يكون أكثر استعدادا لمواجهة المستقبل. أما التوجيه العشوائي، فقد يؤدي إلى سنوات من التردد، أو تكوين غير مناسب، أو صدمة عند أول احتكاك بسوق الشغل.

رسالة الفيديو كانت واضحة: المستقبل لا ينتظر. ومن أراد أن ينجح، فعليه أن يبدأ مبكرا، أن يسأل، أن يخطط، وأن يختار تخصصه لا بعين اليوم فقط، بل بعين المهن التي ستولد غدا.







الثلاثاء 12 ماي 2026
في نفس الركن