لوديجي ستوديو

آش ندير ورا الباك ؟ أخطاء التوجيه المدرسي في المغرب.. حين يدفع التلميذ ثمن القرار المتأخر..


ما بعد البكالوريا ليس مجرد مرحلة عابرة في المسار الدراسي، بل لحظة حاسمة قد ترسم مستقبل التلميذ لسنوات طويلة. غير أن الإشكال، كما أبرزته حلقة مخصصة لموضوع التوجيه المدرسي والمهني، هو أن عدداً كبيراً من الأسر والتلاميذ في المغرب لا يبدأون التفكير الجدي في هذا الملف إلا خلال السنة الثانية بكالوريا، أي في وقت يكون فيه هامش الخطأ مرتفعاً، وضغط القرار في أقصى درجاته. والنتيجة، في كثير من الحالات، هي اختيارات مرتبكة أو مفروضة أو عشوائية، قد تنعكس لاحقاً على التوازن النفسي والاجتماعي والمهني للشباب.

الرسالة الأساسية التي خرجت بها الحلقة كانت واضحة: التوجيه لا ينبغي أن يبدأ مع امتحان البكالوريا، بل قبل ذلك بسنوات. فالتلميذ، بحسب ما تم التأكيد عليه، لا يكتشف ميوله وقدراته فجأة في عمر 17 أو 18 سنة. هذه الأمور تُبنى تدريجياً، من خلال المواكبة المبكرة، والحوار، واكتشاف الذات، والتعرض التدريجي لعوالم المهن والتخصصات. ولهذا، فإن حصر التوجيه في أسابيع أو أشهر قليلة قبل الامتحان النهائي لا يضع التلميذ أمام اختيار واعٍ، بل أمام سباق متوتر مع المجهول.

أحد أكثر الجوانب حساسية التي تناولها النقاش يتعلق بـالضغط الذي يمارسه بعض الآباء على أبنائهم، حين يحاولون إسقاط أحلامهم غير المحققة على مستقبل أولادهم. هذه الممارسة، التي قد تبدو في ظاهرها حرصاً أو طموحاً مشروعاً، قد تتحول في العمق إلى عبء نفسي كبير على التلميذ، خاصة عندما يُطلب منه أن يسلك مساراً لا يريده، فقط لإرضاء العائلة أو الحفاظ على صورة اجتماعية معينة. وقد تم تقديم أمثلة واقعية لأشخاص اختاروا تخصصات لا يحبونها، أو استمروا فيها رغم عدم انسجامهم معها، قبل أن ينتهوا إلى الإحباط أو الفشل أو حتى إلى مشاكل نفسية حقيقية.

الحلقة سلطت الضوء أيضاً على فكرة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها في النقاش العمومي: ليس كل نجاح مرتبط بالطب أو الهندسة أو التخصصات التقليدية. فالعالم تغير، وسوق الشغل نفسه لم يعد كما كان قبل سنوات. التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية، كلها أفرزت مهنًا جديدة، ووسعت من قيمة تخصصات كانت تُعتبر في الماضي هامشية أو غير جذابة. كما تم التذكير بأهمية المهن الحرفية والفنية، التي ما تزال في كثير من الأحيان ضحية نظرة اجتماعية متعالية، رغم أنها قد تفتح أبواباً واسعة للنجاح والاستقلالية والابتكار.

ومن بين الأفكار المهمة التي طُرحت أيضاً، مسألة الذكاءات المتعددة، أي أن التلاميذ لا يمتلكون جميعاً النوع نفسه من القدرات أو الميول. هناك من يبرع في التحليل، وهناك من يتألق في الإبداع أو التواصل أو الفن أو التنظيم أو العمل الميداني. وهنا تكمن أهمية التوجيه الجيد: ليس في دفع الجميع نحو النموذج نفسه، بل في اكتشاف ما يميز كل تلميذ على حدة، ثم مساعدته على بناء مشروعه الشخصي والمهني على هذا الأساس. التوجيه، بهذا المعنى، ليس فرض مسار جاهز، بل مرافقة ذكية تسمح بإخراج أفضل ما في الشخص.

كما أبرز النقاش أن التوجيه المبكر لا يخدم فقط النجاح الدراسي، بل يسهم أيضاً في التوازن النفسي والاجتماعي للتلميذ. فالشخص الذي يدرس في مجال ينسجم مع رغباته ويشعر فيه بالمعنى يكون أكثر استعداداً للعطاء، وأكثر قدرة على الإبداع، وأقل عرضة للإحباط والضغط والاغتراب المهني. في المقابل، فإن من يجد نفسه في شعبة لا تناسبه قد يعيش سنوات من التوتر الداخلي والشكوى والروتين وغياب الحافز، حتى وإن تمكن في الظاهر من إتمام دراسته أو ولوج الوظيفة.

اللافت في هذا الطرح أنه لا يكتفي بتحميل المدرسة وحدها المسؤولية، بل يوزعها بين الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والمرشدين، والمجتمع ككل. فالتوجيه ليس مهمة تقنية باردة، بل عملية إنسانية وتربوية مستمرة، تحتاج إلى إنصات، ومواكبة، وثقافة جديدة تحترم الفرد بدل أن تعيد إنتاج القوالب الجاهزة. ومن هنا جاءت الدعوة إلى فتح نقاش أكثر عمقاً حول كيفية مساعدة التلميذ على فهم نفسه أولاً، قبل أن نطالبه بتحديد مستقبله أو الدفاع عن اختياراته.

في النهاية، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا سيفعل التلميذ بعد البكالوريا؟ بل أصبح: كيف نساعده، منذ وقت مبكر، على أن يعرف من هو، وماذا يريد، وما الذي يستطيع أن يبدع فيه؟ فالمستقبل لا يُبنى في لحظة ارتباك، ولا في موسم ضغط، ولا تحت وطأة المقارنات الاجتماعية. إنه يُبنى على مهل، بالمعرفة، بالمرافقة، وبالجرأة على احترام الاختلاف.







الثلاثاء 7 أبريل 2026
في نفس الركن