لوديجي ستوديو
آجي نتعاودو : الانطوائية ماشي مرض؟ راحة.. الفنان ياسين احجام كيرتاح يكون بوحدو..
في لقاء حواري ممتدّ، يفتح الفنان ياسين نافذة نادرة على حياته الداخلية: ذلك المكان الذي لا يظهر على خشبة المسرح ولا أمام الكاميرا، لكنه يقرر شكل الأداء، ونبرة الاختيارات، وحدود الطموح. الحلقة لا تُقدَّم كسيرة ذاتية تقليدية، بل كحديث إنساني يربط الفن بالتربية، والنجاح بالهشاشة، والموهبة بقدرة الشخص على أن “يبقى واقفاً” حين تتعثر السيرة.
يبدأ الحوار بسؤال بسيط ظاهرياً: ماذا يرى ياسين عندما ينظر إلى نفسه في المرآة؟ الجواب يأتي على شكل ميزان: عمر يتقدّم، وتاريخ شخصي يتراكم، وأهداف لا تنتهي. لا يتحدث عن ندم صارخ، بل عن محاسبة هادئة: ماذا أنجزت؟ وما الذي ما زال ممكناً؟ ومن هنا يضع ياسين تعريفه للطموح: ليس حفلة تتويج دائمة، بل حركة مستمرة… كلما تحقق هدف ظهر آخر، وكلما انتهى مشروع بدأ مشروع جديد. تلك “الدوّامة” لا يراها لعنة، بل طبيعة الحياة نفسها: لا فرح كامل ولا حزن كامل.
ثم ينتقل الحديث إلى مفارقة لافتة: ياسين يعترف بأنه انطوائي وخجول، ومع ذلك اختار مهنة تفترض الجرأة والظهور. كيف يجتمع الأمران؟ يشرح أن الخجل صفة شخصية، بينما التمثيل “حرفة” لها قوانين أخرى. يمكن لممثل كبير أن يكون خجولاً خارج المسرح، لكنه على الخشبة يتحول إلى شخص آخر يملكه الدور. الجاذبية الأولى للمسرح، كما يروي، بدأت مبكراً من دار الشباب ومن المسرح المدرسي، قبل أن تتحول إلى مسار احترافي عبر التكوين. هنا يلمّح إلى نقطة مهمة: الموهبة وحدها لا تكفي، هناك “تشويش” داخلي لا ينظّفه إلا التدريب، والانضباط، والاحتكاك.
ياسين: خجول… لكن المسرح علّمني الشجاعة
في المسار الدراسي، يمرّ ياسين من محطة إلى أخرى بلا شعارات رومانسية. يدرس الحقوق حين كان معهد ليزاداك مغلقاً، ثم يترك القانون عندما فُتح باب المسرح من جديد، لأنه كان يخشى “ندماً مؤجلاً” إن لم يجرّب. لكنه لا يقدّم القرار كقطيعة مع المعرفة؛ بل كإعادة توجيه نحو ما يشعر أنه قدره الحقيقي. ويكشف عن جانب آخر في شخصيته: هو “مجتهد بشكل خارق” حين يؤمن بالمشروع، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى الراحة والتجدد. لا يصف ذلك كتناقض، بل كإيقاع صحي: عمل مكثف، ثم توقف مقصود لاستعادة النفس، قراءة كتاب، قهوة، أيام عادية تُرمم الداخل.
الجزء الأكثر حساسية يأتي حين يتحدث عن العائلة والفقد. يذكر ابنته الراحلة، ثم يعود إلى ابنته الحالية بوصفها “ابنته وصديقته” في آن واحد: علاقة تعلم متبادل، ومرافقة للدراسة، وافتتان بعالم الطفولة. هنا تبدو فلسفته واضحة: الأسرة ليست عبئاً خارجياً، بل قلب الحياة الشخصية. وفي الحديث عن المخاوف، لا يتظاهر بالشجاعة المطلقة؛ يعترف بأن المستقبل يقلق الإنسان بشكل طبيعي، لكن دون هلع.
عام خارج الدراسة كاد يكسرني… ثم صنع مساري
ومن التجارب القاسية التي توقفت عندها الحلقة، قرار توقيفه عن الدراسة لمدة سنة. يراه ياسين قراراً “قاسياً وغير بيداغوجي” لأنه يترك الشاب بلا متابعة نفسية أو مسار بديل، وقد يدفع البعض إلى الانحراف أو اليأس. لكنه في حالته كان محفزاً: اشتغل، أنجز، ثم عاد وأكمل وتخرج. الرسالة هنا مزدوجة: قوة الإرادة تنقذ الفرد أحياناً، لكن المؤسسة التعليمية لا ينبغي أن تراهن على “الحظ”؛ بل على مرافقة حقيقية.
وعندما ينتقل الحوار إلى الطفولة في شفشاون، لا يتحدث عن نوستالجيا فارغة. يصف بيئة عائلية دافئة، مدينة صغيرة، طبيعة نظيفة، وتماسك اجتماعي يقلّ اليوم. ثم يفتح ملفاً تربوياً بجرأة: ينتقد أساليب التعليم التقليدي القائمة على الجلوس الطويل والتنقيط الصلب، ويدعو إلى تأهيل نفسي للمعلمين، وإلى بيداغوجيا تراعي الفروق الفردية والذكاءات المتعددة. لا ينفي وجود أساتذة ممتازين، لكنه يرفض أن تُبتلع معاناة التلاميذ تحت شعار “كل شيء بخير”.
في النهاية، يقدم ياسين نصيحة مكثفة: كن طيباً، لكن حازماً في حقوقك. النزاهة ليست ترفاً أخلاقياً، بل ضمانة لسلام داخلي طويل المدى. وربما هذه خلاصة الحلقة كلها: أن الفن الحقيقي لا يُبنى فقط بالموهبة، بل بتربية الذات على الصدق، وعلى التوازن، وعلى القدرة على حماية الروح من قسوة العالم.
الاثنين 2 مارس 2026
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}