اقتصاديات

8 يورو للكيلوغرام.. قرار تعليق الصادرات المغربية يهز أسعار الطماطم في أوروبا


أعادت تقلبات سوق الطماطم رسم ملامح التوازن بين المغرب وأوروبا، بعدما انعكست قرارات تقييد الصادرات بشكل مباشر على الأسعار داخل القارة العجوز، في مشهد يكشف هشاشة سلاسل التوريد الزراعية وترابطها العميق. فقد وجدت الأسواق الأوروبية نفسها أمام موجة ارتفاع غير مسبوقة، حيث تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد في بعض نقاط البيع عتبة ثمانية يورو، نتيجة تقلص العرض مقابل طلب مستقر، بل ومتزايد.



ولم يكن هذا الارتفاع معزولاً عن السياق المغربي، إذ جاء عقب قرار تقني وتنظيمي يهدف أساساً إلى امتصاص الضغط الداخلي على الأسعار. فبعد فترة من الغلاء الحاد داخل السوق الوطنية، حيث بلغ سعر الكيلوغرام نحو عشرين درهماً، تدخلت الجهات المعنية لإعادة توجيه جزء من الإنتاج نحو الاستهلاك المحلي، عبر تقليص الصادرات، خاصة نحو الأسواق الإفريقية، وتقييد جزء من الشحنات المتجهة إلى أوروبا، خصوصاً تلك المرتبطة بالطماطم الموجهة للتصنيع.
 

هذا القرار يعكس معادلة دقيقة بين حماية القدرة الشرائية للمواطن المغربي والحفاظ على موقع البلاد كمصدر رئيسي في السوق الأوروبية. فالمغرب، الذي يزود الاتحاد الأوروبي بحوالي 430 ألف طن سنوياً، لم يوقف صادراته بشكل كامل، بل اعتمد مقاربة انتقائية، حيث استمرت شحنات الطماطم ذات الجودة العالية بشكل طبيعي، بينما خضعت المنتجات الأقل جودة لضوابط أكثر صرامة، في محاولة لتفادي اضطراب شامل في العلاقات التجارية.
 

غير أن هذه الخطوة، رغم مشروعيتها الداخلية، أفرزت تداعيات خارجية واضحة، إذ سجلت الأسواق الأوروبية حالة من الارتباك، مع ارتفاع الأسعار وتزايد قلق الفاعلين الاقتصاديين. بعض المهنيين الأوروبيين بدأوا ينظرون إلى هذه التحولات كإشارة على ضرورة تنويع مصادر التوريد، وهو ما قد يشكل على المدى المتوسط تحدياً لمكانة المغرب داخل هذه السوق الاستراتيجية.
 

في المقابل، لا يمكن فصل هذا الوضع عن الإكراهات الإنتاجية التي واجهها القطاع الفلاحي المغربي خلال الموسم الأخير. فقد ساهمت الظروف المناخية الصعبة في تقليص الإنتاج، خاصة في مناطق رئيسية مثل سوس ماسة، حيث تضررت البيوت الزجاجية بفعل التقلبات الجوية. كما زادت القيود المرتبطة باستخدام بعض المبيدات، إلى جانب انتشار أمراض فيروسية، من تعقيد الوضع، ما أثر بشكل مباشر على مردودية المحاصيل وجودتها.
 

ورغم هذه التحديات، يظل أداء القطاع قوياً من حيث الأرقام، إذ حقق المغرب خلال موسم 2024-2025 صادرات قياسية بلغت 745 ألف طن، بعائدات قاربت 1.2 مليار دولار، ما مكنه من التموقع كثالث أكبر مصدر عالمي للطماطم. غير أن هذا النجاح الكمي يخفي هشاشة بنيوية، تتعلق بمدى قدرة القطاع على الصمود أمام الصدمات المناخية والتنظيمية، دون التأثير على استقرار الأسواق.
 

في الداخل، بدأت بوادر انفراج تدريجي تظهر، حيث عادت الأسعار إلى مستويات أقل، ليستقر الكيلوغرام في بعض المدن، مثل الرباط، عند حوالي عشرة دراهم. هذا التراجع يعكس جزئياً نجاح التدابير المتخذة، لكنه يطرح في الآن ذاته سؤال الاستدامة : هل يمكن الحفاظ على هذا التوازن دون الإضرار بالصادرات؟
 

من جهة أخرى، يعول المستهلك الأوروبي على دخول الإنتاج المحلي في بلدان الاتحاد خلال الأسابيع المقبلة لتخفيف الضغط، غير أن الطلب القوي قد يحد من هذا الأثر. وهو ما يعني أن أي اضطراب إضافي في الإمدادات الخارجية قد يعيد إشعال موجة الغلاء من جديد.


عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 28 أبريل 2026
في نفس الركن