وترتكز فلسفة المشروع على مراجعة شاملة للرصيد العقاري الجماعي، عبر تحيين دقيق لمختلف الممتلكات التابعة للجماعة، وتصحيح الاختلالات المرتبطة بتقادم المعطيات أو عدم تطابقها مع الواقع الميداني. كما يشمل الورش إعادة تدقيق الأراضي الخاضعة لضريبة الأراضي غير المبنية، بما يسمح بملاءمة الوعاء الجبائي مع الوضعية الفعلية للعقار داخل المجال الحضري، ويحد من الهدر الجبائي الذي راكمته سنوات من التدبير غير المحين.
وفي هذا الإطار، يشكل إحداث نظام معلومات جغرافي متكامل أحد الأعمدة الأساسية لهذا المشروع، إذ سيمكن من توفير تمثيل خرائطي دقيق ودينامي للمجال الترابي للعاصمة، مع ربط المعطيات العقارية بالمعطيات الجبائية والعمرانية داخل قاعدة بيانات موحدة وقابلة للتحيين المستمر. هذا الربط يتيح رؤية شمولية للمجال الحضري، ويضع حدا لتشتت المعلومة بين مختلف المصالح، وهو أحد أبرز أسباب ضعف النجاعة في التدبير المحلي.
وتواكب هذه الخطوة عملية رقمنة متقدمة للمعطيات المتوفرة، مع إدماجها في منظومة معلوماتية حديثة، تسمح بتتبع تطور الملكيات، وضبط الاستعمالات، وتحسين اتخاذ القرار. كما يمتد المشروع ليشمل جانب التهيئة الحضرية، خاصة ما يتعلق بتسوية الوضعية العقارية لممرات الطرق المتأثرة بقرارات الاصطفاف، وهي نقطة ظلت لسنوات مصدر نزاعات قانونية وتعقيدات إدارية أثرت على مشاريع التهيئة والتجهيز.
ويعكس هذا التوجه إرادة واضحة في القطع مع مظاهر التدبير التقريبي للأصول العمومية، لصالح حكامة مبنية على المعلومة الدقيقة، وقابلية التتبع، والتكامل بين مختلف المعطيات. فمن خلال الربط بين المسح الميداني للعقار الجماعي وأدوات رقمية آنية، تتوفر جماعة الرباط على وسائل عملية لتأمين مواردها، وتوسيع الوعاء الجبائي بشكل منصف، وتحسين مردودية التحصيل، دون اللجوء إلى حلول سهلة تقوم على الرفع من الضغط الضريبي.
ولا تتوقف رهانات هذا المشروع عند حدود التوازنات المالية للعاصمة، بل تتجاوزها إلى بعد استراتيجي أوسع، يتمثل في تقديم نموذج قابل للتعميم على مدن مغربية كبرى تواجه إكراهات مشابهة في تدبير العقار والمجال الحضري. فالدار البيضاء، بثقلها الديمغرافي وتعقيد نسيجها العمراني، وطنجة التي تعرف تحولات صناعية ولوجستية متسارعة، وأكادير المرتبطة رهاناتها بالسياحة والعقار، إضافة إلى مراكش ذات القيمة التراثية والعقارية المرتفعة، كلها مدن مرشحة للاستفادة من مقاربة مماثلة قائمة على الرقمنة والشفافية والتحديث الجبائي.
وتؤكد تجربة الرباط، في هذا السياق، أن تحسين الحكامة المحلية لا يمر بالضرورة عبر إحداث ضرائب جديدة أو رفع الموجود منها، بل يرتكز أساسًا على المعرفة الدقيقة بالمجال الترابي، وحسن استغلال المعطيات، واعتماد أدوات رقمية فعالة في التدبير. ومع تسارع وتيرة التحضر وتزايد الضغط على الموارد الجماعية، تبدو هذه الخطوة خيارًا استراتيجيًا من شأن تعميمه أن يعزز المداخيل المحلية، ويحسن جودة التدبير العمومي، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة