وبحسب المعطيات ذاتها، بلغ عدد المغاربة المساهمين في نظام الضمان الاجتماعي الإسباني أزيد من 404 آلاف شخص، وهو رقم غير مسبوق يعكس التطور المتواصل لحضور اليد العاملة المغربية داخل الاقتصاد الإسباني. هذا المعطى يضع المغرب في صدارة الجاليات الأجنبية المنتسبة للنظام، متقدماً على رومانيا وكولومبيا وفنزويلا، وهي دول لطالما شكل مواطنوها نسبة مهمة من العمال الأجانب في إسبانيا.
ولا يرتبط هذا الحضور المتزايد فقط بالأعمال الموسمية أو الوظائف البسيطة كما كان الحال في العقود الماضية، بل أصبح المغاربة حاضرين بقوة في قطاعات متنوعة تشمل البناء والزراعة والفندقة والخدمات الرقمية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. ويعكس هذا التحول تغيراً واضحاً في طبيعة اندماج المهاجرين المغاربة، الذين باتوا يشغلون وظائف أكثر استقراراً وتنوعاً داخل سوق العمل الإسباني.
وتشير البيانات الإسبانية إلى أن العدد الإجمالي للعمال الأجانب المسجلين في الضمان الاجتماعي تجاوز 3.24 ملايين عامل، بزيادة سنوية تفوق 8 في المائة، ما يؤكد استمرار اعتماد الاقتصاد الإسباني على اليد العاملة الأجنبية في ظل الحاجة المتزايدة للموارد البشرية بعدد من القطاعات الحيوية. كما أصبح العمال الأجانب يمثلون حوالي 14.7 في المائة من إجمالي المساهمين في نظام الضمان الاجتماعي، وهي نسبة تكشف حجم التحول الذي يشهده سوق العمل الإسباني خلال السنوات الأخيرة.
ويرى متابعون أن المغاربة استفادوا من هذا التوسع الاقتصادي بفضل خبرتهم الطويلة داخل السوق الإسبانية، إضافة إلى قدرتهم على التأقلم مع متطلبات الشغل في مجالات مختلفة. كما لعب القرب الجغرافي والتقارب الثقافي بين المغرب وإسبانيا دوراً مهماً في تسهيل اندماج العمال المغاربة واستمرار تدفق اليد العاملة نحو عدد من المدن والأقاليم الإسبانية.
ومن أبرز المؤشرات التي تكشف تطور وضعية العمال الأجانب داخل إسبانيا، التحسن الملحوظ في جودة العقود المهنية بعد إصلاحات سوق العمل الأخيرة. فقد أصبحت العقود الدائمة تشكل حوالي 88.7 في المائة من الوظائف التي يشغلها العمال الأجانب، بينما تراجعت العقود المؤقتة إلى 11.3 في المائة فقط، وهي نسبة أقل حتى من تلك المسجلة لدى العمال الإسبان أنفسهم. ويعكس هذا المعطى انتقال جزء مهم من العمالة الأجنبية من وضعية الهشاشة المهنية إلى الاستقرار الوظيفي.
كما أظهرت المعطيات الرسمية ارتفاع حضور النساء داخل سوق الشغل الإسباني، حيث أصبحت النساء يمثلن 43.1 في المائة من مجموع العمال الأجانب، في مؤشر على تزايد مساهمة المرأة المهاجرة في النشاط الاقتصادي الإسباني، سواء في قطاعات الخدمات والرعاية أو داخل مجالات أخرى كانت في السابق حكراً على الرجال.
وتعتمد قطاعات اقتصادية كاملة في إسبانيا بشكل متزايد على اليد العاملة الأجنبية، خاصة قطاع الفنادق والمطاعم الذي يشكل فيه العمال الأجانب ما يقارب 30 في المائة من مجموع العاملين، إلى جانب القطاع الفلاحي الذي تتجاوز فيه النسبة 27 في المائة، إضافة إلى قطاع البناء الذي يمثل فيه الأجانب حوالي ربع اليد العاملة. ويبرز المغاربة ضمن أبرز الجنسيات الحاضرة بقوة داخل هذه المجالات، بالنظر إلى الخبرة التي راكموها عبر سنوات طويلة من العمل.
وفي المقابل، لم يعد حضور الأجانب في إسبانيا مقتصراً على العمل المأجور فقط، بل امتد إلى مجال ريادة الأعمال والاستثمار الذاتي. إذ يوجد حالياً أكثر من 512 ألف عامل حر أجنبي بإسبانيا، مع تسجيل نمو ملحوظ في المشاريع المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية والخدمات الحديثة، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في صورة المهاجر الأجنبي من مجرد عامل تقليدي إلى مساهم مباشر في خلق الثروة وفرص الشغل.
ويؤكد مسؤولون إسبان أن هذا التطور يعكس نجاح سياسات الإدماج المهني والاجتماعي، في وقت تواجه فيه إسبانيا تحديات ديموغرافية مرتبطة بشيخوخة السكان وتراجع اليد العاملة المحلية. لذلك أصبحت الهجرة النظامية، وخاصة القادمة من دول مثل المغرب، عاملاً أساسياً في الحفاظ على دينامية الاقتصاد الإسباني واستمرار عدد من القطاعات الحيوية