إن الفضاء العام، في التصور السوسيولوجي، ليس ملكا لفرد بعينه، بل مجالا للتعايش الجماعي تحكمه قواعد غير مكتوبة، أساسها الاحترام المتبادل وضبط السلوك. غير أن ما نعاينه يوميًا داخل الحافلات، وسيارات الأجرة، أو ردهات الإدارات العمومية، يكشف عن منطق مغاير، حيث يُنصب بعض الأفراد أنفسهم مركزا للمشهد، فارضين محتوى سمعيا قسريا على محيط لم يختر الاستماع إليه. ففي حافلة مكتظة بالركاب، قد يجد المواطن نفسه مضطرا لسماع تفاصيل علاقة شخصية، أو متابعة مقطع تافه بصوت مرتفع، دون أن يكون له أي خيار سوى الصمت أو الانسحاب.
غالبا ما يُبرر هذا السلوك بذريعة الحرية الفردية، في قراءة تبسيطية ومغلوطة لمفهوم الحرية. فالحرية، في بعدها الحقوقي والقانوني، ليست مطلقة، بل مقيدة باحترام حقوق الآخرين والنظام العام. وما يحدث في هذه الحالات لا يمكن تصنيفه ضمن الحرية، بقدر ما يعد شكلا من أشكال الإزعاج والتعدي الرمزي على راحة الغير. إن فرض الصوت داخل فضاء مشترك هو ممارسة تسلطية ناعمة، تمارس أحيانا دون وعي، لكنها تحمل في طياتها احتقارا ضمنيا للآخر.
تعكس هذه الظاهرة خللا بنيويا في التربية على السلوك المدني، وتراجعا في الإحساس بالجماعة لصالح نزعة فردانية متطرفة. فقد ساهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي في تكريس ثقافة الاستعراض الدائم، حيث يصبح الصوت المرتفع وسيلة لإثبات الوجود، وإعلانا غير مباشر عن الحضور. في هذا السياق، لم يعد الصمت قيمة، بل صار ينظر إليه كفراغ يجب ملؤه بأي محتوى، مهما كان مبتذلا أو غير ملائم للمكان.
وتبرز المفارقة بشكل أكثر حدة داخل الإدارات العمومية والمستشفيات، حيث يفترض أن يسود الهدوء والاحترام، غير أن الواقع يكشف عن مواطنين يتابعون مقاطع فكاهية أو مباريات كروية بصوت مرتفع، غير آبهين بحالات الانتظار، أو المرض، أو الضغط النفسي الذي يعيشه الآخرون. هذه السلوكيات لا تعبر فقط عن غياب الذوق العام، بل عن تآكل قيم العيش المشترك، وتحويل الفضاء العمومي إلى امتداد غير منضبط للفضاء الخاص.
ولا يقل صمت المحيطين خطورة عن السلوك ذاته، إذ يفضل كثير من المواطنين التعايش مع الإزعاج بدل الاعتراض، خوفا من سوء الفهم أو التصعيد. هذا الصمت الجماعي يساهم في تطبيع الظاهرة، ويمنحها شرعية غير معلنة، تجعل من الإزعاج قاعدة، ومن الاحترام استثناء. كما أن غياب تدخل واضح من المؤسسات، سواء عبر التحسيس أو فرض قواعد تنظيمية داخل المرافق العمومية، يعمق الإحساس بالإفلات من أي مساءلة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على لوم الأفراد فقط، بل تقتضي مقاربة شمولية تنطلق من إعادة الاعتبار للتربية المدنية داخل الأسرة والمدرسة، مرورا بدور الإعلام في ترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام، وصولا إلى مسؤولية المؤسسات في حماية حق المواطنين في الهدوء. فالصمت في الفضاء العمومي ليس ترفا، بل حق جماعي، وانتهاكه اليومي مؤشر مقلق على أزمة سلوك وقيم.
وفي النهاية، يظل هذا السلوك تعبيرا فجا عن فهم معطوب للحرية، حيث تتحول الوسائل التكنولوجية من أدوات للتواصل إلى أدوات للإزعاج. وإذا استمر دون وعي أو مساءلة، فإن الفضاء العام مهدد بأن يتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى السمعية، بما يهدد أحد أبسط شروط العيش المشترك: الاحترام.
غالبا ما يُبرر هذا السلوك بذريعة الحرية الفردية، في قراءة تبسيطية ومغلوطة لمفهوم الحرية. فالحرية، في بعدها الحقوقي والقانوني، ليست مطلقة، بل مقيدة باحترام حقوق الآخرين والنظام العام. وما يحدث في هذه الحالات لا يمكن تصنيفه ضمن الحرية، بقدر ما يعد شكلا من أشكال الإزعاج والتعدي الرمزي على راحة الغير. إن فرض الصوت داخل فضاء مشترك هو ممارسة تسلطية ناعمة، تمارس أحيانا دون وعي، لكنها تحمل في طياتها احتقارا ضمنيا للآخر.
تعكس هذه الظاهرة خللا بنيويا في التربية على السلوك المدني، وتراجعا في الإحساس بالجماعة لصالح نزعة فردانية متطرفة. فقد ساهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي في تكريس ثقافة الاستعراض الدائم، حيث يصبح الصوت المرتفع وسيلة لإثبات الوجود، وإعلانا غير مباشر عن الحضور. في هذا السياق، لم يعد الصمت قيمة، بل صار ينظر إليه كفراغ يجب ملؤه بأي محتوى، مهما كان مبتذلا أو غير ملائم للمكان.
وتبرز المفارقة بشكل أكثر حدة داخل الإدارات العمومية والمستشفيات، حيث يفترض أن يسود الهدوء والاحترام، غير أن الواقع يكشف عن مواطنين يتابعون مقاطع فكاهية أو مباريات كروية بصوت مرتفع، غير آبهين بحالات الانتظار، أو المرض، أو الضغط النفسي الذي يعيشه الآخرون. هذه السلوكيات لا تعبر فقط عن غياب الذوق العام، بل عن تآكل قيم العيش المشترك، وتحويل الفضاء العمومي إلى امتداد غير منضبط للفضاء الخاص.
ولا يقل صمت المحيطين خطورة عن السلوك ذاته، إذ يفضل كثير من المواطنين التعايش مع الإزعاج بدل الاعتراض، خوفا من سوء الفهم أو التصعيد. هذا الصمت الجماعي يساهم في تطبيع الظاهرة، ويمنحها شرعية غير معلنة، تجعل من الإزعاج قاعدة، ومن الاحترام استثناء. كما أن غياب تدخل واضح من المؤسسات، سواء عبر التحسيس أو فرض قواعد تنظيمية داخل المرافق العمومية، يعمق الإحساس بالإفلات من أي مساءلة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على لوم الأفراد فقط، بل تقتضي مقاربة شمولية تنطلق من إعادة الاعتبار للتربية المدنية داخل الأسرة والمدرسة، مرورا بدور الإعلام في ترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام، وصولا إلى مسؤولية المؤسسات في حماية حق المواطنين في الهدوء. فالصمت في الفضاء العمومي ليس ترفا، بل حق جماعي، وانتهاكه اليومي مؤشر مقلق على أزمة سلوك وقيم.
وفي النهاية، يظل هذا السلوك تعبيرا فجا عن فهم معطوب للحرية، حيث تتحول الوسائل التكنولوجية من أدوات للتواصل إلى أدوات للإزعاج. وإذا استمر دون وعي أو مساءلة، فإن الفضاء العام مهدد بأن يتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى السمعية، بما يهدد أحد أبسط شروط العيش المشترك: الاحترام.
الرئيسية















