كتاب الرأي

​الرئيس الجزائري ونصيحة غوبلز...!


يبدو أن الرئيس الجزائري يحاول هذه الأيام العمل بنصيحة جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازية عندما قال بأن الدعاية الناجحة يجب أن تحتوي على نقاط قليلة وتعتمد التكرار... ففي ظرف أقل من خمسة عشرة يوما ، تحدث الرئيس عبد المجيد تبون ل "الجزيرة" مرتين ، الأولى يوم 22 مارس على القناة الفضائية وامتد اللقاء ل 24 دقيقة في لقاء خاص، والثانية يوم 6 أبريل عبارة عن بودكاست في برنامج "بعد أمس" وامتد لأزيد من 48 دقيقة .



بقلم : عادل بن حمزة

المشترك في اللقائين هو إدارتهما معا من طرف الصحفية الجزائرية خديجة بن قنة ، وهما في الحقيقة كانا عبارة عن منولوغ قامت فيه بن قنة بدور مذيعة الربط كما كان أيام زمان . قبل مناقشة ما جاء في الخروج الأخير للرئيس الجزائري ، لا بد من التأكيد على أن هذا الخروج المتكرر لتبون على منصات "الجزيرة" ، والشكل الذي تم به، يوضح أننا لسنا أمام عمل صحافي مهني ، إذ ليس هناك أي مبرر من الناحية المهنية يمكن به تفسير لقائين إعلاميين لرئيس دولة في أقل من نصف شهر ، معنى ذلك أن هناك خلفيات أخرى تفسر كيف تحولت منصات "الجزيرة" عمليا إلى مجرد أدوات للدعاية قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر التي يبدو أن تبون والجناح الذي يمثله غير مطمئن لحسمها لصالحه ، ولعل إبعاد رمطان لعمامرة من وزارة الخارجية ، يعتبر واحدا من الإجراءات التي تحمل أكثر من تفسير ، فمن جهة يمكن اعتبار الإبعاد دعما لتبون من خلال تعبيد الطريق له لقصر المرادية لولاية ثانية ، ذلك أن الحضور الإعلامي والشخصي للعمامرة كان مزعجا لتبون على المستوى الشخصي بالنظر إلى الفوارق الشاسعة بين الرجلين على الأقل على مستوى الحديث والخلفية الثقافية وشبكة العلاقات الواسعة .



ومن جهة أخرى يمكن أن يكون إبعاد لعمامرة في هذه المرحلة ، تعبير من الدولة العميقة لحاجتها لقطعة غيار من العيار الثقيل في حال شغور موقع رئاسة الجمهورية لأي سبب من الأسباب ، لكن جملة يمكن القول أن الفريق المحيط بعبد المجيد تبون يعتقد أن كثرة الخرجات الإعلامية للرئيس من شأنها تثبيته كخيار للدولة العميقة في الرئاسيات المقبلة ، وحتى ترضى الدولة العميقة على تبون فإنه مطالب دائما بالتذكير بالمغرب والعداء للمغرب وتوجيه التهم له بلا دليل، آخر هذه التهم هو ما قاله في بودكاست "بعد أمس" من أن المغرب كان مسؤولا عن اختطاف وقتل دبلوماسيين جزائريين في مالي ، بعد أن أكد قبل ذلك في برنامج "لقاء خاص" على أن ما تعرفه تونس من عدم استقرار حدث مباشرة بعد استقبال قيس سعيد لرئيس جمهورية الوهم إبراهيم غالي ، يما يحمله ذلك من اتهام مباشر لضلوع المغرب في ما تعرفه تونس حاليا . 



منولوغ الرئيس الجزائري الجديد في بودكاست "بعد أمس" ، يمكن اعتباره حلقة استدراكية لبرنامج "لقاء اليوم" ، ورغم أن كلا البرنامجين تم اعدادهما تحت الطلب وغابت عنهما المهنية ، فإن الرئيس تبون ظل عاجزا عن القدرة على تقديم نفسه للجمهور بوصفه رئيس دولة ، إذ حافظ الرجل على بساطة معلوماته وتناقضها بالإضافة إلى الضعف المزمن لقدراته التواصلية ، ويبدو أيضا أن مؤسسة الجزيرة كان محرجة من طرف الرئيس الجزائري ، فبدل تخصيص برنامج مطول في لقاء خاص يليق برئيس دولة ، نجد أنها لجأت إلى تقديم تبون للمشاهد العربي بالتقسيط وذلك لرفع العتب ، مرة أولى على الفضائية واسعة المتابعة لكن ضمن غلاف زمني لم يتجاوز 24 دقيقة ، ومرة ثانية على البودكسات الذي لا يحظى بمتابعة كبيرة وهذه المرة ب 48 دقيقة .. تبون في لقائه الأخير أثار جملة من القضايا ، بعضها يستحق الرد والمناقشة ، بينما الباقي أشبه بالعدم .


القضية الأولى : الخوف من حركة تحرير أزواد

يتعلق الأمر بما جاء صريحا من اتهام للمغرب بالتورط في الساحة المالية على خلفية المعركة التي تخوضها حركة تحرير أزواد من أجل الاستقلال عن مالي منذ 2012 ، الرئيس الجزائري بالإضافة إلى اتهامه للمغرب باختطاف وتصفية دبلوماسيين جزائرين ، عبر في تناقض صارخ مع ما يكرره دائما، عن رفضه للمس بالوحدة الترابية لمالي ، هذا الموقف يتناقض جملة وتفصيلا مع شعار دعم الشعوب في معارك التحرر والانتصار لمبدأ تقرير المصير ، إذ كيف تدعم الجزائر بالمال والسلاح حركة البوليساريو الانفصالية ، وتحجم عن فعل ذلك عندما يتعلق الأمر بالأزواد ، التفسير واضح وهو أن منطقة أزواد الكبرى تضم أطرافا واسعا من جنوب وشرق الجزائر ، تم اقتطاعها من طرف الاستعمار الفرنسي للجزائر الفرنسية ولدولة مالي المحدثة من قبل الاستعمار الفرنسي . 



القضية الثانية : الضعف الهيكلي للاقتصاد الجزائري

حاولت الصحفية بن قنة أن تمنح لرئيسها تبون فرصة للحديث عن الوضعية الاقتصادية في الجزائر مادام الرجل قد دخل في حملة انتخابية سابقة لأوانها ، حاول الرجل إلتقاط الإشارة وقدم صورة وردية عن الاقتصاد الجزائري ، غير أن الأرقام التي حاول تبون جعلها مقنعة ، هي نفسها تتحول عند مسائلتها إلى كتلة من الشك ، قال تبون أن الجزائر نجحت في الوصول إلى 10 مليارات دولار كصادرات خارج المحروقات ، وهو يردد الرقم تشعر بأنه في غاية السعادة ، بينما الواقع يقول أن ذلك الرقم يعتبر فضيحة ودليل فشل نظام ممتد منذ 1962 ، إذ بعد 61 سنة من الاستقلال لا تستطيع الجزائر أن تصدر للعالم أكثر من 10 مليار دولار خارج المحروقات التي تعد هبة ربانية لكنها لا تتسم بالدوام ، ولتقريب الصورة أكثر أعطي أرقام عن صادرات المغرب في نفس السنة المرجعية أي سنة 2022 .


إذ نجد أن مبيعات قطاع السيارات وحده يعادل قيمة مجموع الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات . فقد واصل القطاع أداءه الجيد على الرغم من الظرفية الاقتصادية الدولية ، وذلك بتحقيق صادرات بنحو 10 مليار دولار في نهاية شهر نونبر 2022 ، بنمو ناهز 35 في المائة على أساس سنوي وفي نفس السنة بلغت عائدات صادرات القطاع الزراعي 8 مليار دولار ، بينما ارتفعت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ومداخيل الأسفار لتبلغ مستويات قياسية بمبلغ أزيد من 10 مليار دولار و قرابة 9.5 مليار دولار على التوالي .



يضاف إلى ذلك وحسب بيانات البنك الدولي ، أن تحويلات 5 ملايين مغربي مقيمين في الخارج قد بلغت أزيد من 10 مليارات دولار ، بينما لم تتجاوز تحويلات الجزائريين المقيمين في الخارج والبالغ عددهم 7 ملايين نسمة نحو 1.829 مليار دولار سنة 2022 ، علما أن التحويلات المالية للجزائريين تقلصت على مدار السنوات الماضية ، بعد أن بلغت نحو ملياري دولار في 2016 وهو ما يعبر عن حجم الثقة في النظام الجزائري .



القضية الثالثة : منظومة الفساد أجهزت على ثروات الجزائر

حاول تبون في موضوع الاقتصاد أن يقدم ربما آخر على أساس أنه يمثل قصة نجاح وذلك عندما ذكر باحتياطات الجزائر من العملة الصعبة ، إذ كشف تبون بنوع من التفاخر أنها تبلغ 64 مليار دولار ، بالتأكيد هذا الرقم مهم، لكنه غير كاف لبعث الاطمئنان بالنسبة للشعب الجزائري ، ذلك أن هذه الطفرة المالية تتسم بطابعها الظرفي الناتج عن تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا بالإضافة إلى ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة وخاصة الغاز الطبيعي بعد جائحة كورونا، الدليل على ذلك يكمن في كشفته البيانات الاقتصادية للبنك الاحتياطي الفيديرالي الأمريكي في سانت لويس عند مقارنتها بين المغرب والجزائري في فيما يتعلق باحتياطي العملة الصعبة سنة 2022 ، إذ أكد البنك أن المغرب وصل إلى أعلى احتياطي للعملة الصعبة في تاريخه بقيمة 40 مليارا و449 مليون دولار متجاوزة بذلك ، الاحتياطيات الجزائرية لأول مرة والتي واصلت انهيارها منذ 2013 لتستقر عند حاجز 32,7 مليارات دولار .



علما أنها في 2013 كانت قد بلغت 192,35 مليار دولار ، معنى ذلك أن رقم 64 مليار دولار بالنظر إلى الظرفية الحالية يبقى رقما متواضعا جدا، ويزداد ذلك يقينا عندما نعلم أن النظام الجزائري أهدر بين 2001 و 2014 ما قيمته 1.5 تريليون دولار ما بين تمويل برامج اقتصادية فاشلة (600 مليار دولار) وموازنات عامة للدولة ، فبين عامي 2001 و 2004 تم اعتماد أول مخطط لدعم الإنعاش الاقتصادي تحت مسمى "القضاء على البطالة ورفع القدرة الشرائية للمواطن وتحسين البنى التحتية والخدمات العامة" ، الذي انتقلت تكاليفه من 7 مليارات دولار في البداية ، إلى حوالي 16 مليار دولار في نهايته، بعده تم رصد 130 مليار دولار  لما سمي بالبرنامج الخماسي التكميلي لدعم النمو للفترة من 2005 إلى 2009 والذي حدد تكلفته في البداية ب 114 مليار دولار ، سيتواصل إهدار أموال الجزائريين بين مخططات فاشلة وضعف الكفاءة والتخطيط بالإضافة إلى الفساد مع البرنامج الثالث .



والذي سمي ببرنامج توطيد النمو الاقتصادي من 2010 الى 2014 ، حيث بلغ الفساد أوجه فقط خصصت له ميزانية فلكية بلغت 286 مليار دولار ، بهدف تنويع الاقتصاد الجزائري وتحفيز الآلة الإنتاجية، وعلى نفس النهج سيتم إقرار مشروع البرنامج الخماسي للاستثمارات العمومية والذي يغطي الفترة من 2015 إلى 2019 بميزانية تبلغ 262 مليار دولار .



حسب خبراء فإن مجموع تلك المبالغ التي صرفها النظام الجزائري كان بإمكانها إعادة إعمار سوريا التي دمرتها الحرب منذ 2011 ، ليس مرة واحدة، بل  7.5 مرة، ذلك أن كلفة اعمار سورية تقدر اليوم بـ 200 مليار دولار ، فهل بعد كل هذه الأموال المهدورة/المغدورة يحق للرئيس الجزائري التفاخر باحتياطي لا يتجاوز 64 مليار دولار وهي ناتجة ظرفية دولية خاصة .



القضية الثالثة : الالتحاق بالبريكس بين الحقيقة والوهم

تحدث تبون عن التحاق الجزائر بدول "البريكس BRIKS " ، وهو تحالف اقتصادي نشأ رسميا منذ 2009 بتحالف كل من روسيا والصين والبرازيل والهند لتنضم إليهم فيما بعد جنوب إفريقيا. تمثل دول البريكس حوالي 25 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي وتهيمن الصين على 70 في المائة من حصة هذه الدول. الرئيس الجزائري كان سعيدا قبل أشهر وهو يتحدث عن طموح التحاق بلاده بمجموعة "البريكس" مؤكدا أن الجزائر تتوفر على أغلب شروط العضوية ، لكنه عاد في بودكاست بن قنة إلى حجمه الطبيعي عندما أقر بأن بلاده ملزمة بالقيام بمجموعة من الإصلاحات .



ذلك أن الجميع يعلم أن أول دولة في البريكس وهي الصين ، يفوق حجم ناتجها المحلي 12تريليون دولار ، وأن أضعف دولة في المجموعة وهي جنوب إفريقيا، يتجاوز ناتجها المحلي 350 مليار دولار ، بينما الناتج المحلي للجزائر سنة 2020 لم يتجاوز 145 مليار دولار تمثل فيها المواد الطاقية ما يفوق 95 في المائة ، وهو ما يعني أن الاقتصاد الجزائري سليل الاقتصاد الموجه والفساد المهيكل منذ بداية الستينات ، لا يملك فرص المنافسة داخل المجموعة وحتى من زاوية الشراكة فإنه سيبقى هامشيا وسيُعيد إنتاج منطق العلاقات الإقتصادية المؤطرة بقيم العولمة التي تعني هيمنة الدول الكبرى على الدول الصغرى ، وإذا كان "البريكس" يرفع شعارات تنادي بقيام توازن في العلاقات الاقتصادية الدولية ، فإن الأمر لا يتعدى تغيير البندقية من الكتف الأيمن إلى الكتف الأيسر والدليل على ذلك ما شهدته سريلانكا في سياق ما يعرف بفخ الديون الصينية .



القضية الرابعة : فقاعة الغاز ستنتهي قريبا

تفاخر الرئيس تبون بكون الجزائر أحد أهم الدول المنتجة للغاز ، وفي خلفية هذا التفاخ ، نستحضر هرولة عدد من الدول الأوربية إلى الجزائر في صيف السنة الماضية بعد التوقف الكلي للغاز الروسي ، صحيح أنه إلى وقت قريب كانت الجزائر تعد ثاني مصدّر للغاز إلى أوروبا بعد روسيا ، وبغض النظر عن الاعتبارات السياسة التي تجعل الجزائر تدور في الفلك الروسي ، وترتهن بحجم التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية في ظل الاجتياح الروسي لأوكرانيا ، فإن القدرة التصديرية للجزائر عرفت تراجعاً كبيراً في السنوات الأخيرة ، بل إن أحد الجوانب غير المذكورة فيما يتعلق بإغلاق أنبوب الغاز المغرب العربي - أوروبا ، يتعلق في الواقع ، بحسب ما كشفه خبراء في مجال الطاقة ، بجوانب اقتصادية داخلية تخص ارتفاع الطلب الداخلي في الجزائر على الغاز ، إذ تستهلك السوق الداخلية أزيد من 52 في المئة من الإنتاج وهو ما أكده الرئيس تبون في مقابلته ، لكن ما لم يذكره هو ضعف القدرة الإنتاجية لحقول الغاز نتيجة ضعف الاستثمار في الصيانة وتجديد المعدات ، كحصيلة طبيعية لحالة الفساد الممتد الذي تعرفه شركة "سوناطراك" المملوكة للدولة ، والتي طالما تم التعامل معها كصندوق أسود .



زيادة على ذلك ، تشير تقديرات الخبراء الى أن أهم حقول الغاز في حاسي بيضة ستنفد احتياطاتها بحلول عام 2030 ، وهو ما يعني أن الرهان الأوروبي على الغاز الجزائري ليس له أي بعد استراتيجي ، خاصة أمام التزامات فيما يتعلق بالطاقة النظيفة وقرب الاعتماد الكلي على السيارات الكهربائية .



هذه بعض القضايا التي أعتقد أنه تستحق الرد والتوضيح ، علما أن هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية ، خاصة نظرة النظام الجزائري لما يحدث في تونس وليبيا والموقف من إسرائيل وهو ما سيكون موضوع مقال قادم .

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 27 أبريل 2023

              

















تحميل مجلة لويكاند


القائمة الجانبية الثابتة عند اليمين





Buy cheap website traffic