كتاب الرأي

زواج القاصرة..هل نرخص أم نجرم




الدكتور خالد فتحي

الجزء الثاني  

ج) ولكن  كيف يبرر الحداثيون تجريم هذا الزواج؟؟ 

 ١)   هم يعتبرون أساسا أن  القاصر لاتتوفر  عموما على الأهلية النفسية والوجدانية للاعتناء بالرضيع وبالطفل، كونها أيضا لاتزال مراهقة وتحتاج  للمرافقة وبالتالي تفتقر للنضج الذي يؤهلها لممارسة مهام التربية،هذا القصور وانعدام التأهيل يأخذ بعدا مأساويا في نظرهم  إذا ما انجبت في سنوات الزواج الأولى، وخصوصا وان الاسرة النووية أقصت عندنا أيضا بالمغرب  الأسرة الممتدة. 


2 ) - هم أيضا يفترضون  أن  الحامل الصغيرة السن لمخاطر الحمل  والولادة أكثر من الحوامل  الراشدات مابين 20 و 24 سنة  من قبيل  ارتفاع الضغط  الحملي والارتجاج بكل مضاعفاته ، و الولادة بالقيصرية، وتعفن الرحم خلال مرحلة النفاس . كما ان مضاعفات الحمل والولادة هي السبب الأول للوفاة عند فئة القاصرات . ثم يضيفون أن حمل القاصرات هو ظاهرة وطنية وعالمية يجب أن نتجد لمكافحتها نظرا لأرقامها المرتفعة جدا، والتي تعصف بمستقبل هؤلاء الفتيات  .  


ففي العالم تقع في الحمل 21 مليون فتاة سنهن بين15و19 سنة تلد منهن12مليون فتاة .كذلك هناك770000 قاصر يقل سنها عن15سنة تنجب بالفعل.  ويغتنمون كون اغلب هذه الحمول  تتركز  في  الدول السائرة في طريق النمو ليخلصوا الى أن زواج القاصرات دليل وعلامة  على التخلف وهضم حقوق الفتيات . ( ينسون هنا السياقات الثقافية وقيم التقليد والتراحم والروابط  الأسرية التي تميز دول الجنوب الفقير عن دول الشمال الغني حيث تنخفض الخصوبة ويقل تكوين الأسر أساسا  ) .


 وفي هذا الإطار  يكررون دوما أن الدراسات أن هؤلاء القاصرات يعانين من صعوبة في الانتظام على موانع الحمل و في الحصول على المعلومات الخاصة بطرق تنظيم النسل، وبالتالي يعانين من تقارب الحمول والولادات، ممايؤثر على صحتهن المستقبلية وفرص ارتقائهن الاجتماعي ،كما أن  الحمل يكون سببا في الهدر المدرسي ومغادرة مقاعد الدراسة وعدم دخول سوق الشغل بعد ذلك  . وهنا يهمني أن أبرز أن  هذه المضاعفات لها تقريبا نفس الحجم المضاعفات التي نجدها عند المرأة المتقدمة في السن والتي تلد أول مرة والتي يحدد الاخصائيون سنهافي 38 سنة،وبالتالي أي خطاب او أية سياسة أسرية تركز على منع زواج القاصرات, ولا تستهدف بالعلاج ظاهرة أخرى هي ظاهرة  التأخر في الزواج والانجاب تبقى فاقدة للمصداقية ومثيرة للريبة لدى المجتمع في حقيقة أهدافها. ولذلك علينا ان نسعى لغايات متناسقة بخصوص سن الزواج من خلال قوانين لاتنفر ولاتخوف من الزواج وتصعب الطلاق .


لاريد أن انهي هذا الجانب الطبي دون الإشارة إلى حجة أخرى لهذا التوجه كون  الزواج المبكر، أو لنقل الممارسة الجنسية المبكرة،  هي  أيضا  سبب من اسباب سرطان عنق الرحم . وهذا صحيح ،لكنها حجة تفقد كل وجاهتها حين ننتبه أن من يدعو لتجريم زواج القاصرة غالبا مانراه يدعو الى السماح بالعلاقة الجنسية عند البلوغ.وفي هذه الحالة قد تبدأ المعاشرة عند سن 13  أو 14سنة اي اقل من سن 15 او 16 سنة التي صار ت توضع كحد أدنى للسماح بزواج القاصرة .كما ان هذه  الفتاة غالبا ماتقوم علاقات عابرة ومتعددة مع عدد من الشركاء الجنسيين مما يرفع احتمالات اصابتها بالفردوس الحيلومي البشري ولاحقا بسرطان عنق الرحم  .  


هناك عوامل أخرى  يدعو هذا الاتجاه الى الاشتغال  عليها بصفتها مسببات  نلمسها من.خلال احتكاكنا بالاسر ،ترفع نسبة  زواج القاصرات وهي : 

- أن زواج القاصرات هدفه أحيانا كثيرة الرغبة في الستر والإعفاف والتحصين،وتأمين المستقبل  والخروج من الفقر، وسعي بعض الآباء الى عدم توريث هذا الفقر لبناتهم، وكذا رغبة بعض الأسر ذات الظروف الصعبة  للتخلص من نفقات بناتها وهمومهن وجعلهن هكذا قربانا لإخوتهن الذكور ،إضافة إلى الهدر المدرسي خصوصا لدى الفتيات  القروبات من غير المتمدرسات أصلا او ممن لم يتجاوز مستواهن الابتدائي.

- استمرار بعض الأسباب الثقافية التي ترسخ سيادة بعض التمثلات التي تربط المرأة بوظائف تقليدية كالانجاب ورعاية الزوج وخدمته،و شيوع ثقافة شعبية وتراثية تدعو للزواج من الفتاة الصغيرة ،حيث أن هناك اعتقادا لدى بعض الاوساط الشعبية بأن الفتاة كلما كبرت كلما ضاع مستقبلها الزواجي  و كلما سقطت في المحظور والفاحشة . وهكذا بسجلون أنه رغم كل مظاهر التحضر والتمدن ،لازال التقليد ،ولاتزال المجتمعات التقليدية قادرة على فرض رؤيتها التي تجعل من البلوغ  فقط جواز المرور الى الزواج ،وذلك على عكس المجتمع الحداثي الذي يقرر أن الزواج ليس هدفا ،بل مرحلة من العمر فقط . و للمفارقة ان  هذا الاتجاه يرى أيضا أن العلاقات الجنسية في سن مبكرة خارج إطار الزواج سواء برضى القاصر أو بالاغتصاب هي سبب أيضا في الحمل المبكر وفي فرض زواج القاصر احيانا كثيرة  بالإكراه.


هنا أيضا نجد من الحداثيين من  يرى ان لجوء القاصر لشركاء جنسين متعددين   دون  شريك واحد ،وهذا يقع خصوصا بالدول الغربية،(وقد يصبح واقعا ونقاشا عندنا ايضا )،يقوي فرص حملها بعدم انتظامها على حبوب منع الحمل وبالتالي قد يورطها في زواج او انجاب مبكرين دون أن تبرمج  هي ذلك . ولذلك يدعو الى علاقة جنسية قبل 18 سنة ولكن مع شريك واحد.( فلماذا يرفض الزواج ).



هناك ايضا أسباب أخرى مرتبطة بمخالفات قانونية ترمي للالتفاف على شروط زواج القاصر ،كالتحايل على القانون ( كزواج الشيك الذي لايمنح اية ضمانات للقاصر حال الطلاق او الانجاب او تقسيم الارث )،والتلاعب بالخبرة الطبية من خلال شواهد المجاملة، واللجوء لزواج الفاتحة .


- من جهتي أضيف بعض الأسباب الأخرى التي استقيتها من واقع الزواج والأسرة المغربية ومنها    

  ١- أن الإقبال على الزواج من القاصرات صار مطلبا لفئة من الرجال نظر لتأثر هم بفكرة اراها من جهتي خاطئة، كون أن الارتفاع المهول لنسب الطلاق عند الراشدات، خلق فوبيا لدى الرجال، وميلا للزواج من القاصرات، لانهم أصبحوا يعتقدون أن الزواج من فتاة صغيرة السن  هو صمام أمان لنجاح الزواج واستدامته.لأن صغر السن في نظرهم، يجعل تكيف المرأة مع مؤسسة الزواج واكتسابها لعادات التعامل مع الزوج وإدارة البيت  سهلا.


- كذلك هناك من الرجال من  يرغب في الزواج من قاصرة على اعتبار أن الزواج المبكر يمنع صراع الاجيال بين الاباء والأبناء نظرا لتقارب السن .

2-و  هناك الآن في المغرب  خوف العائلات والأمهات  المتنامي بالخصوص من شبح العنوسة و تراجع فرص الزواج بعد ان اصبح المغرب يسجل أكثر من 8 مليون عانس   . بسب عدم اقتناع الكثير من الشباب الذكور  بمشروع الاسرة نظرا لتضخم القانون والامتيازات التي صارت للمراة والتي في رأيهم تشجعها على تطليق زوجها .وبالتالي لجوء بعض الفتيات أمام هذا النفور المتنامي  الى  اغتنام الفرصة الأولى للزواج.

3- وبلغة بسيطة يفهمها الجميع ،لاحظت أن أغلب القاصرات المتزوجات هن فقيرات غير متعلمات، وبالتالي ينظرن لهذا الزواج كفرصة للخلاص.

 هؤلاء الفتيات لم نؤمن لهن التعليم ،ولا الحياة الرغدة في كنف الأسرة الابوية المستقرة ،فهل نظلمهن مرتين ، فنشتط عليهن،  ونمنعهن أيضا من الزواج الذي يكون احيانا الفرصة التي قد لاتتكرر  خصوصا اذا استوفين الشروط  وكن مؤهلات نفسيا وجسديا  للزواج وللعلاقة الحميمية  .

- ما العمل إذن  ، هل نرخص ام نجرم ؟؟ 

- أولا يجب أن نتفق في خطابنا الرسمي والمجتمعي على أن الإسلام و مدونة الأسرة  طبعا  لايقرران زواج القاصرات  ،فحتى الزواج نفسه ليس واجبا على الشخص فكيف نجبر القاصر؟؟
 
وبالتالي  أعتقد أن زواج القاصرات يجب أن يبقى  مباحا في اطار الاستثناء الذي يلجأ اليه في بعض السياقات وعند استيفاء  بعض الشروط وأهمها شرط الاطاقة وهذا يتم إناطته بالمختصين القاصي والمختص الاجتماعي والنفساني والطبيب   ، كما  أنه   وللموصوعية  يجب التحسيس بكل الوسائل الممكنة في المدارس والاعلام ومن خلال العمل الجمعوي بالمشاكل المحتملة  لزواج القاصرات، وبضرورة أن لاتتزوح الفتاة القاصر  على حساب تعليمها ومستقبلها، كل هذا المجهود يفترض بداهة  ان نكون   قادرين كدولة على ضمان هذه الحقوق  للجميع.


إذن يجب  ترك باب هذا  الزواج مفتوحا في حالات استثنائية تخضع للسلطة التقديرية للقاضي الذي هو ملزم أن يبرهن أن زواج هذه  القاصرة فى صالحها.

يجب الانكباب على ابداع ضمانات قضائية تجعل هذا الزواج يسمح به فعلا في الحالات الضرورية جدا. 
حتى لايصبح قاعدة ،و هذا مربط الفرس . وذلك من خلال الاستماع لموافقة القاصر في جلسة منفردة مع القاضي ،و صدور تقريرين ايجابيين للخبرة الطبية والاجتماعية معا. وان تجرى الخبرة الطبية من طرف طبيب نساء وطبيب أطفال ، وان يكون فارق  السن لايتجاوز الخمسة عشرة سنة بين الخطيبين ،وأن يتم التنصيص صراحة على تسمية الخاطب في إذن الزواج، واجبارية حضوره لجلسات الاستماع،وأن   يلتزم الخاطب  بالسماح لزوجته بمتابعة دراستها او حتى بالعودة لمقاعد الدراسة من جديد ، .وان نغتنم فرصة فترة الدعوى او الخطوبة لتلقيح هذه القاصر ضد سرطان عنق الرحم ،وتوعيتها بطريقة استعمال وسائل منع الحمل حتى .  


في الحقيقة كل هذه الشروط  إنما  تضع أيضا مسؤولية كبرى على عاتق الدولة التي يتعين عليها في مقابل هذا الحرص الشديد على  تبين مصلحة القاصرات أن تظهر حسن نيتها بخصوص هذا التشدد ، بان تقدم أحيانا المساعدة القضائية لمن يحتاجها من الأسر الفقيرة بخصوص طلبات الأذن هاته .

كما يتعين عليها ،وهذا هو الأهم   أن تكون قادرة عمليا واقعيا  على ضمان تعليم كل  الفتيات وتأمين مستقبلهن من خلال سن إجبارية الدراسة الى سن 18 سنة  .

وفي الاخير نحن  لن نقضي على زواج القاصرات بتشريع، وإنما بتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية  وتحقيق العدالة المجالية وبين المواطنين والمواطنات ،آنذاك ستكتشف أنه  قد اختفى وانسحب من المشهد الأسري  من تلقاء نفسه.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 26 ديسمبر 2023

              

















تحميل مجلة لويكاند


القائمة الجانبية الثابتة عند اليمين





Buy cheap website traffic