كتاب الرأي

​حروب الجيل الجديد وإدارة النفوذ


الدكتور إدريس قريش
وزير مفوض في التقاعد



في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتغير فيه موازين القوى بصورة غير مسبوقة، يجد العالم نفسه أمام مرحلة تاريخية دقيقة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي وفق مقاربات جديدة تتجاوز الحروب التقليدية نحو ما أصبح يعرف بحروب الجيل الجديد. وهي حروب لم تعد تعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل أصبحت ترتكز على إدارة النفوذ، والتحكم في الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والإعلام والفضاء السيبراني، وتوظيف الأزمات والصراعات الإقليمية لإعادة هندسة النظام الدولي الجديد بما يخدم مصالح القوى الكبرى وتموقعاتها الاستراتيجية.

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن حجم التحولات العميقة التي يعرفها العالم، باعتبارها ليست مجرد نزاع إقليمي، بل محطة مفصلية في الصراع حول شكل النظام الدولي المقبل وحدود النفوذ بين الشرق والغرب ومستقبل الأمن الأوروبي والعالمي. كما أظهرت كيف أصبحت العقوبات الاقتصادية، والحروب الإعلامية، والاختراقات السيبرانية، وأدوات الضغط المالي والطاقة، جزءا أساسيا من معارك إعادة رسم التوازنات الدولية.

لقد بدا مع اندلاع هذه الحرب أن مركز الثقل الدولي قد انتقل من الشرق الاوسط نحو اوروبا الشرقية ، ولم يعد يحتل نفس الأهمية في أولويات القوى الكبرى.

لقد حولت انظار العالم عن المنطقة تاركة فراغا استراتيجيا استغله الايرانيون سريعا بامتداد نفوذهم الديني المذهبي وتحرك شبكاتهم لملىء الفراغ .

فالشرق الأوسط ليس مجرد مجال جغرافي تتقاطع فيه المصالح ، بل هو فضاء ذو حمولة إستراتيجية وحضارية فريدة، إنه خزان الطاقة العالمي ، كما أنه مهد الرسالات السماوية وأرض البعث والتنزيل، بما يحمله ذلك من رمزية عميقة  تؤطر قيم الأمن والخير والسلام في بعدها الإنساني الشامل. فإن اي اضطراب في توازناته سرعان ما يتجاوز حدوده ليطال الأمن والاستقرار العالميين. 

ويروى في هذا السياق ، ان القيصرة الروسية ايكاترين الثانية ، التي حكمت بلادها من 1762 إلى 1794 ، تساءلت عن حكمة اختيار هذه المنطقة تحديدا لاختضان الرسالات السماوية، وقد خلصث إلى ان تعقيد مجتمعاتها وتشابك بنياتها يجعلها مجالا دائما للتفاعل والتوتر ، وان من ينجح في فهمها واحتوائها يمتلك مفاتيح التأثير في موازين القوى العالمية .وهي قناعة حاضرة في الرؤية الاستراتيجية للدول الكبرى.

وجاء السابع من أكتوبر ليعيد الاعتبار للشرق الأوسط في الحسابات الدولية، لكنه فعل ذلك بثمن باهظ جدا من التوتر والدمار ، حيث انتقلت المنطقة في لحظة واحدة من هامش الاهتمام إلى مركز العاصفة، مرورا بدمار غزة ووصولا إلى الحرب مع إيران. 

وفي الشرق الأوسط، تتواصل عمليات إعادة تشكيل موازين القوى ضمن سياقات معقدة تتداخل فيها رهانات الأمن والطاقة والممرات الاستراتيجية، حيث أصبحت المنطقة مجالا مفتوحا لصراعات النفوذ والاحتواء وإعادة التموضع الدولي. وفي هذا الإطار، تبرز المواجهة الأمريكية الإيرانية باعتبارها نموذجا لحروب الجيل الجديد، التي لا تهدف بالضرورة إلى الحسم العسكري الشامل، بقدر ما تسعى إلى احتواء إيران والحد من امتداداتها الإقليمية وإعادة توجيه أدوارها ضمن حسابات دقيقة لإدارة التوازن الدولي والإقليمي.

فالصراع الأمريكي الإيراني يتجاوز البعد الثنائي التقليدي، ليعكس رهانات أوسع ترتبط بأمن الطاقة والممرات البحرية ومستقبل التحالفات الإقليمية، ومنع أي اختلال استراتيجي قد يعيد تشكيل موازين القوى خارج الحسابات الدولية الكبرى. ومن هذا المنطلق، أصبحت الضغوط الاقتصادية والعقوبات وإدارة بؤر التوتر والتحكم في مستويات التصعيد أدوات معتمدة في سياسة الاحتواء، بما يضمن إبقاء الصراع ضمن حدود مدروسة تخدم إعادة ترتيب النفوذ دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج.

كما يبرز ملف تايوان باعتباره أحد أخطر بؤر التوتر في العالم، بالنظر إلى ارتباطه بالتنافس الأمريكي الصيني حول قيادة النظام الدولي الجديد، والتحكم في التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد العالمية والمجالات البحرية الحيوية. وهو ما يؤكد أن العالم يتجه تدريجيا نحو مرحلة إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى ضمن توازنات معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية بالاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام.
ولم تعد قضايا العلاقات الدولية تدار بمنطق الملفات المعزولة أو الأزمات المنفصلة ، بل أصبحت مختلف بؤر التوتر  والصراعات مترابطة ضمن هندسة شاملة لإعادة تشكيل النظام الدولي الجديد .  فالحرب في أوكرانيا والتوتر في الشرق الأوسط وملف تايوان والصراع حول  الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية ، كلها حلقات ضمن معادلة استراتيجية واحدة تتداخل فيها حسابات القوة والنفوذ وإعادة توزيع مراكز القرار العالمي.

   وفي هذا السياق، اصبحت بكين فاعلا محوريا في هندسة معايير النظام الدولي ، ليس فقط باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة ، بل كقطب دولي يعمل على إعادة صياغة التوازنات العالمية وفق مقاربة تقوم على التعددية القطبية وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي.

فالصين تدرك أن مستقبل القيادة العالمية لم يعد يحسم فقط بالقوة العسكرية، وإنما أيضا بالتحكم في التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد والطاقة والموانئ والبنيات التحتية العابرة للقارات. 

ومن هذا المنطق ، اكتسبت الزيارات والتحركات الدولية الكبرى دلالات تتجاوز بعدها الدبلوماسي التقليدي. فزيارة الرئيس الأمريكي الى بكين 14ماي من السنة الجارية وما تلاها مباشرة من زيارة الرئيس الروسي 19 ماي من نفس السنة، تعكس بوضوح أن الصين أصبحت مركزا أساسيا في إدارة التوازنات الدولية.  وان الملفات الكبرى المطروحة اليوم، من اوكرانيا إلى الشرق الأوسط وصولا الى تايوان ، لم تعد قابلة للمعالجة خارج الحسابات الصينية.

فاوكرانيا ترتبط بإعادة رسم حدود النفوذ بين روسيا والغرب، والشرق الأوسط يمثل مجالا لإدارة أمن الطاقة والممرات الاستراتيجية وسياسة الاحتواء ، بينما يشكل ملف تايوان العنوان الأبرز للصراع الأمريكي الصيني حول مستقبل النظام الدولي والنفوذ التكنولوجي والعسكري.  لذلك فإن كل هذه الملفات اصبحت مترابطة ضمن رؤية شاملة لإدارة النفوذ العالمي ومنع اختلال استراتيجي قد يعيد تشكيل موازين القوى وصياغة خرائط النفوذ خارج التوافقات الكبرى.

إن حروب الجيل الجديد لا تستهدف فقط السيطرة العسكرية بل تسعى أيضا إلى إعادة هندسة الوعي والتأثير في الرأي العام وإضعاف الدول من الداخل عبر الضغوط الاقتصادية والإعلامية والتحكم في الموارد والأسواق والتكنولوجيا . وهي بذلك تشكل امتدادا لصراع استراتيجي عالمي يروم إعادة إنتاج التوازنات الدولية بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
إن العالم يتجه اليوم نحو مرحلة تتراجع فيها صلابة التحالفات التقليدية.

 فبعد عقود هيمنت خلالها هذه التكتلات سواء الاقتصادية او الأمنية، مثل الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطلسي، تتجه البيئة الدولية نحو أنماط أكثر مرونة تتقاطع فيها المصالح الظرفية وفق طبيعة القضايا المطروحة بدل الارتباط بتحالفات تحد من هامش المناورة.
العالم إذن يتجه نحو فضاء أكثر سيولة تتوزع فيه مراكز التأثير بين قوى كبرى وقوة إقليمية صاعدة وهو ما يجعل إدارة  المصالح اكثر حضورا من منطق الاصطفاف الإيديولوجي الذي طبع مراحل سابقة في العلاقات الدولية.  

لقد أبرزت مختلف الأحداث الدولية ان العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب تعاد فيه صياغة التحالفات وفق منطق المصالح المتغيرة لا الولاءات التقليدية. 
وفي هذا الإطار، شكل الملف السوري نموذجا واضحا لطبيعة التحولات الجارية. حيث ان روسيا اتجهت نحو إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية تحت ضغط الحرب الاوكرانية . مما يؤكد ان التحالفات في النظام الدولي الجديد اصبحت خاضعة لحسابات دقيقة مرتبطة بموازين القوى والمصالح الاستراتيجية المتغيرة.

واللافت اليوم ان السيناريو السوري يتكرر مع ايران ، وإن بأدوات وحسابات دولية أكثر دقة ، بامتلاكها اوراق جيوسياسية حساسة.

 وهكذا تبرز الأزمات مترابطة ضمن منظومة شاملة لإعادة تشكيل النفوذ العالمي وتوازناته.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى قراءة استراتيجية عميقة تستوعب طبيعة النظام الدولي الجديد.  وتدرك ان الصراع لم يعد فقط صراعا عسكريا مباشرا ، بل أصبح معركة شاملة لإعادة هندسة العالم وتحديد مراكز القرار فيه.

وفي خضم هذه التحولات التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي، يبرز المغرب كدولة صاعدة تعكس قدرة الدول التي تمتلك قيادة حكيمة و رؤية استراتيجية واضحة على تعزيز تموقعها الدولي . فالمملكة لم تعد مجرد فاعل إقليمي يواكب التحولات ، بل أصبحت طرفا مؤثرا في صناعتها ، بفضل استقرارها السياسي واصلاحاتها الاقتصادية ومرتكزاتها الحقوقية وانفتاحها على الشراكات المتعددة .وقد توج هذا المسار بتحقيق المغرب لمكتسبات استراتيجية مهمة ذات أبعاد سيادية ، وبتصدره لمؤشرات التصنيع في إفريقيا وتجاوزه لجنوب إفريقيا في الأداء الصناعي.

إن هذا التموقع جعل المغرب فاعلا محوريا في الربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي والمتوسطي ، وقادرا على المساهمة في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.

ومن ثم فإن فهم التحولات الدولية الراهنة لا تكتمل دون استحضار الأدوار الجديدة للقوى الصاعدة وفي مقدمتها المغرب الذي نجح في تحويل موقعه الجغرافي ورصيده الحضاري واستقراره المؤسساتي إلى أدوات قوة ونفوذ وتموقع.

وتكمن أهمية  هذه الورقة العلمية في المساهمة في ترسيخ ثقافة التفكير الاستراتيجي وتعزيز الوعي الجماعي بالتحديات التي تفرضها التحولات الدولية الراهنة والتي اصبحت تعبيرا صريحا على ان العالم دخل فعليا مرحلة الانتقال من الأحادية القطبية إلى تعددية مركبة ، برزت فيها حروب الجيل الجديد باعتبارها آلية لادارة التوازنات الدولية لإعادة رسم خرائط النفوذ . آملا ان تشكل هذه الدراسة إضافة متواضعة للنقاش الاكاديمي والفكري حول عالم يعاد تشكيله امام اعيننا ، ومستقبل تتداخل فيه صناعة رهانات القوة والنفوذ والاستقرار.




الاثنين 1 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن