الدكتور إدريس قريش - وزير مفوض في التقاعد
وفي ظل نظام دولي يشهد إعادة تشكيل موازين القوة وتراجع أنماط التحالفات التقليدية وظهور مقاربات أكثر مرونة وسيولة ، نجح المغرب في الانتقال من منطق التكيف مع التحولات إلى منطق المساهمة الفاعلة في هندسة التوازنات الجديدة، مستندا إلى ما يحظى به من ثقة ومصداقية لدى شركائه ، وإلى عقيدته الدبلوماسية القائمة على الواقعية والاعتدال وتعدد الشراكات والانفتاح على مختلف الفضاءات الجيوسياسية.
ومن موقعي كدبلوماسي سابق ، عايشت عن قرب العديد من التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفياتي، وواكبت تداعياتها على مختلف المناطق ، الأمر الذي أتاح إلى ادراك الكيفية التي استطاع بها المغرب ، بقيادة حكيمة ، أن يتعامل مع هذه المتغيرات برؤية استشرافية وحكمة سياسية ، وأن يرسخ مكانته كفاعل موثوق وشريك يحظى بالمصداقية على المستوى الدولي .
لقد أثبتت التجربة المغربية أن الدول التي تملك وضوح الرؤية ، ومرونة القرار والقدرة على التكيف مع التحولات واستباقها ، هي الأكثر قدرة على كسب رهانات المستقبل . ومن هذا المنطق، تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الكيفية التي انتقل بها المغرب من مرحلة التكيف مع التحولات الكبرى إلى مرحلة الإسهام في هندسة التوازنات الجديدة ، بما يعزز تموقعه كقوة صاعدة وفاعل مسؤول في عالم يتجه نحو مزيد من التعددية والسيولة وإعادة تشكيل مراكز النفوذ والقوة .
وقد ارتكز هذا التوجه على دبلوماسية واقعية ومتوازنة ، تقوم على الحكمة والاعتدال والإلتزام بالقيم والمبادئ، مع الانفتاح على مختلف القوى الدولية خارج منطق الاستقطاب والانتماء لأي محور ، مما مكن المملكة من بناء شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والهند ودول مجلس التعاون الخليجي وافريقيا ، في إطار مقاربة تقوم على تنويع الشركاء وتعدد مجالات التعاون.
وعلى المستوى السيادي ، حقق المغرب مكتسبات استراتيجية نوعية بأبعاد سيادية، في مقدمتها الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في ظل السيادة الوطنية ، باعتبارها الحل الوحيد الواقعي والجاد والموثوق لتسوية هذا النزاع المفتعل طبقا لقرار مجلس الأمن 2797 ، فضلا عن الدينامية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية، وتحولها إلى فضاء واعد للإستثمار والتنمية والانفتاح على العمق الإفريقي و الأطلسي .
أما على الصعيد الإقتصادي والتجاري فقد أدرك المغرب مبكرا ان التحولات التي يعرفها النظام الدولي تفرض تعزيز الانفتاح الاقتصادي وتنويع الشراكات التجارية ، فاختار نهجا يقوم على الاندماج الإيجابي في الاقتصاد العالمي ، من خلال ابرام مجموعة واسعة من اتفاقيات التبادل الحر ( حوالي 40 اتفاقية ) مع عدد من الدول والتكتلات الإقتصادية.
ويتميز المغرب بكونه الدولة الوحيدة في إفريقيا والعالم العربي التي وقعت إتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب شراكته المتقدمة مع الاتحاد الاوروبي واتفاقياته مع عدد من الدول العربية والإفريقية والأسيوية والأمريكية اللاتينية، مما أتاح له ولوج اسواق تضم أكثر من مليار مستهلك .
وقد ساهم هذا الخيار الاستراتيجي في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية، وترسيخ موقعها كمنصة صناعية، الأولى في افريقيا يتجاوز مؤشرها جنوب افريقيا ، من خلال تطوير الصناعات الاستراتيجية، خاصة صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والهيدروجين الاخضر . كما طورت منصة لوجيستية وتجارية تربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والأمريكيتين ، مستندة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي ومن البنيات التحتية الحديثة التي تتصدرها منصة طنجة المتوسط ، التي أصبحت إحدى أهم مراكز الربط البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي المجال الطاقي ، تبنى المغرب رؤية استشرافية جعلته من بين الدول الرائدة في الانتقال نحو الطاقات النظيفة ، بما ينسجم مع التوجهات العالمية الجديدة المرتبطة بالأمن الطاقي والتنمية المستدامة . الأمر الذي أهله ليكون شريكا موثوقا في المشاريع الدولية المستقبلية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
كما استطاع المغرب ان يرسخ حضوره الإفريقي، ليس فقط من خلال العودة إلى الإتحاد الإفريقي، وإنما عبر بناء نموذج للتعاون جنوب - جنوب قائم على التضامن والتنمية المشتركة ، وإطلاق مبادرات استراتيجبة كبرى ، وفي مقدمتها المبادرة الملكية لتسهبل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، بما يعكس رؤية جيوستراتيجية تتجاوز الأبعاد الإقتصادية إلى إعادة تشكيل فضاءات جديدة للتكامل الإفريقي.
وفي المجال الأمني، فرض المغرب نفسه شريكا موثوقا على الصعيد الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة السرية ، بفضل خبرته الأمنية والاستخباراتية ، مما عزز صورته كمهندس وعامل استقرار في منطقة تتسم بتزايد التحديات والمخاطر.
أما على المستوى الديني والثقافي ، فقد قدم المغرب نموذجا قائما على الوسطية والاعتدال، وأسهم من خلال مؤسساته الدينية والثقافية في نشر قيم التسامح والتعايش والحوار ، وتعزيز الأمن الروحي في افريقيا وأوروبا، بما جعل القوة الناعمة المغربية أحد المرتكزات الأساسية لتموقعه الدولي.
وفي المجال السياحي، استطاع المغرب إن يوظف غناه الحضاري والثقافي وتنوعه الطبيعي واستقراره السياسي والأمني ليصبح الوجهة السياحية الأولى على المستوى العربي الإفريقي، باستقطابه لأكثر من عشرين مليون سائح . وهو إنجاز يعكس تنامي جاذبية المملكة وتعزيز اشعاعها الدولي . ولم يعد القطاع السياحي مجرد مورد اقتصادي ، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الناعمة المغربية ، بما يجسده من قيم الانفتاح والضيافة والتسامح والتعايش ، وبما يرسخ صورة المغرب كجسر بين الحضارات والثقافات ، وكوجهة عالمية تجمع بين الأصالة والحداثة.
وفي ظل التراجع النسبي لفعالية التحالفات التقليدية ، وتنامي أهمية الشراكات المرنة ومتعددة الأبعاد، نجح المغرب في التموقع كدولة صاعدة تتمتع بالثقة والمصداقية ، وتملك رؤية متكاملة تجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي ، الأمر الذي مكنه من تحقيق مكاسب سيادية وتنموية وجيوسياسية مهمة.
وتعكس هذه الإنجازات المحققة قدرة المغرب على استثمار حالة السيولة وإعادة التشكل التي يعرفها النظام الدولي، وتحويلها إلى فرص لتعزيز مكانته الإقتصادية والجيوسياسية بما يرسخ تموقعه كدولة صاعدة وفاعل محوري في هندسة التوازنات الإقليمية والدولية، ويؤكد نجاحه في الجمع بين الانفتاح الإقتصادي وحماية مصالحه السيادية ، وتبني شراكات متعددة الأبعاد، قائمة على الواقعية والمرونة والمصالح المتبادلة .
ومن موقعي كدبلوماسي سابق ، عايشت عن قرب العديد من التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفياتي، وواكبت تداعياتها على مختلف المناطق ، الأمر الذي أتاح إلى ادراك الكيفية التي استطاع بها المغرب ، بقيادة حكيمة ، أن يتعامل مع هذه المتغيرات برؤية استشرافية وحكمة سياسية ، وأن يرسخ مكانته كفاعل موثوق وشريك يحظى بالمصداقية على المستوى الدولي .
لقد أثبتت التجربة المغربية أن الدول التي تملك وضوح الرؤية ، ومرونة القرار والقدرة على التكيف مع التحولات واستباقها ، هي الأكثر قدرة على كسب رهانات المستقبل . ومن هذا المنطق، تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الكيفية التي انتقل بها المغرب من مرحلة التكيف مع التحولات الكبرى إلى مرحلة الإسهام في هندسة التوازنات الجديدة ، بما يعزز تموقعه كقوة صاعدة وفاعل مسؤول في عالم يتجه نحو مزيد من التعددية والسيولة وإعادة تشكيل مراكز النفوذ والقوة .
وقد ارتكز هذا التوجه على دبلوماسية واقعية ومتوازنة ، تقوم على الحكمة والاعتدال والإلتزام بالقيم والمبادئ، مع الانفتاح على مختلف القوى الدولية خارج منطق الاستقطاب والانتماء لأي محور ، مما مكن المملكة من بناء شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والهند ودول مجلس التعاون الخليجي وافريقيا ، في إطار مقاربة تقوم على تنويع الشركاء وتعدد مجالات التعاون.
وعلى المستوى السيادي ، حقق المغرب مكتسبات استراتيجية نوعية بأبعاد سيادية، في مقدمتها الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في ظل السيادة الوطنية ، باعتبارها الحل الوحيد الواقعي والجاد والموثوق لتسوية هذا النزاع المفتعل طبقا لقرار مجلس الأمن 2797 ، فضلا عن الدينامية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية، وتحولها إلى فضاء واعد للإستثمار والتنمية والانفتاح على العمق الإفريقي و الأطلسي .
أما على الصعيد الإقتصادي والتجاري فقد أدرك المغرب مبكرا ان التحولات التي يعرفها النظام الدولي تفرض تعزيز الانفتاح الاقتصادي وتنويع الشراكات التجارية ، فاختار نهجا يقوم على الاندماج الإيجابي في الاقتصاد العالمي ، من خلال ابرام مجموعة واسعة من اتفاقيات التبادل الحر ( حوالي 40 اتفاقية ) مع عدد من الدول والتكتلات الإقتصادية.
ويتميز المغرب بكونه الدولة الوحيدة في إفريقيا والعالم العربي التي وقعت إتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب شراكته المتقدمة مع الاتحاد الاوروبي واتفاقياته مع عدد من الدول العربية والإفريقية والأسيوية والأمريكية اللاتينية، مما أتاح له ولوج اسواق تضم أكثر من مليار مستهلك .
وقد ساهم هذا الخيار الاستراتيجي في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية، وترسيخ موقعها كمنصة صناعية، الأولى في افريقيا يتجاوز مؤشرها جنوب افريقيا ، من خلال تطوير الصناعات الاستراتيجية، خاصة صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والهيدروجين الاخضر . كما طورت منصة لوجيستية وتجارية تربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والأمريكيتين ، مستندة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي ومن البنيات التحتية الحديثة التي تتصدرها منصة طنجة المتوسط ، التي أصبحت إحدى أهم مراكز الربط البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي المجال الطاقي ، تبنى المغرب رؤية استشرافية جعلته من بين الدول الرائدة في الانتقال نحو الطاقات النظيفة ، بما ينسجم مع التوجهات العالمية الجديدة المرتبطة بالأمن الطاقي والتنمية المستدامة . الأمر الذي أهله ليكون شريكا موثوقا في المشاريع الدولية المستقبلية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
كما استطاع المغرب ان يرسخ حضوره الإفريقي، ليس فقط من خلال العودة إلى الإتحاد الإفريقي، وإنما عبر بناء نموذج للتعاون جنوب - جنوب قائم على التضامن والتنمية المشتركة ، وإطلاق مبادرات استراتيجبة كبرى ، وفي مقدمتها المبادرة الملكية لتسهبل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، بما يعكس رؤية جيوستراتيجية تتجاوز الأبعاد الإقتصادية إلى إعادة تشكيل فضاءات جديدة للتكامل الإفريقي.
وفي المجال الأمني، فرض المغرب نفسه شريكا موثوقا على الصعيد الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة السرية ، بفضل خبرته الأمنية والاستخباراتية ، مما عزز صورته كمهندس وعامل استقرار في منطقة تتسم بتزايد التحديات والمخاطر.
أما على المستوى الديني والثقافي ، فقد قدم المغرب نموذجا قائما على الوسطية والاعتدال، وأسهم من خلال مؤسساته الدينية والثقافية في نشر قيم التسامح والتعايش والحوار ، وتعزيز الأمن الروحي في افريقيا وأوروبا، بما جعل القوة الناعمة المغربية أحد المرتكزات الأساسية لتموقعه الدولي.
وفي المجال السياحي، استطاع المغرب إن يوظف غناه الحضاري والثقافي وتنوعه الطبيعي واستقراره السياسي والأمني ليصبح الوجهة السياحية الأولى على المستوى العربي الإفريقي، باستقطابه لأكثر من عشرين مليون سائح . وهو إنجاز يعكس تنامي جاذبية المملكة وتعزيز اشعاعها الدولي . ولم يعد القطاع السياحي مجرد مورد اقتصادي ، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الناعمة المغربية ، بما يجسده من قيم الانفتاح والضيافة والتسامح والتعايش ، وبما يرسخ صورة المغرب كجسر بين الحضارات والثقافات ، وكوجهة عالمية تجمع بين الأصالة والحداثة.
وفي ظل التراجع النسبي لفعالية التحالفات التقليدية ، وتنامي أهمية الشراكات المرنة ومتعددة الأبعاد، نجح المغرب في التموقع كدولة صاعدة تتمتع بالثقة والمصداقية ، وتملك رؤية متكاملة تجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي ، الأمر الذي مكنه من تحقيق مكاسب سيادية وتنموية وجيوسياسية مهمة.
وتعكس هذه الإنجازات المحققة قدرة المغرب على استثمار حالة السيولة وإعادة التشكل التي يعرفها النظام الدولي، وتحويلها إلى فرص لتعزيز مكانته الإقتصادية والجيوسياسية بما يرسخ تموقعه كدولة صاعدة وفاعل محوري في هندسة التوازنات الإقليمية والدولية، ويؤكد نجاحه في الجمع بين الانفتاح الإقتصادي وحماية مصالحه السيادية ، وتبني شراكات متعددة الأبعاد، قائمة على الواقعية والمرونة والمصالح المتبادلة .