كتاب الرأي

​المغرب دولة أمة


يُعد المغرب من أعرق نماذج "الدولة الأمة" Etat Nation في العالم، بالنظر إلى استمرارية دولته عبر القرون، ووحدة كيانه السياسي والحضاري، وقدرته على الحفاظ على تماسكه واستقراره رغم التحولات التي شهدها النظام الدولي. فقد تشكلت الأمة المغربية في إطار تلاحم وثيق بين العرش والشعب، واندماج متوازن لمختلف مكوناتها الحضارية والثقافية واللغوية، العربية والامازيغية والحسانية والإفريقية و الأندلسية والمتوسطية في هوية وطنية جامعة ، بما جعل من التنوع مصدر قوة وإثراء، ومن الوحدة ركيزة للاستمرار والتجدد. وهكذا نجح المغرب في بناء نموذج متفرد قوامه الوحدة داخل التعددية والتعددية داخل الوحدة، بما رسخ مكانته كدولة أمة ضاربة الجذور في التاريخ.



الدكتور إدريس قريش

وتكتسي رمزية العلم المغربي دلالة خاصة في هذا السياق، باعتباره تجسيدًا لمسار تاريخي وحضاري يعكس خصوصية الدولة الأمة المغربية. فقد ارتبطت الدولة العلوية منذ نشأتها بالعلم الأخضر، رمز الانتساب إلى الدوحة النبوية الشريفة وإلى الإرث الروحي لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بما يجسد مكانة إمارة المؤمنين كإحدى الركائز الأساسية الثابتة للدولة المغربية.

وفي سياق التحولات التي أفرزها النظام الدولي الحديث منذ اتفاقيات ويستفاليا سنة 1648، ارتبط المغرب بالعلم الأحمر باعتباره رمزًا للدولة الأمة ولسيادة الدولة المغربية ووحدة كيانها السياسي. وقد شكل هذا الرمز تعبيرًا عن المكانة الخاصة للمغرب باعتباره دولة ذات تاريخ عريق ومؤسسات راسخة وهوية وطنية متماسكة، استطاعت أن تحافظ على استمراريتها عبر مختلف المراحل والتحولات التاريخية.

وفي سنة 1915، قام السلطان المولى يوسف بتوحيد هذين البعدين في علم وطني واحد، فحافظ على اللون الأحمر رمزًا للدولة والأمة المغربية، وأضفى عليه النجمة الخضراء الخماسية التي تعبر عن العمق الروحي والحضاري للمملكة. كما تحيل هذه النجمة، في بعدها الحضاري، إلى الإشعاع العلمي الذي عرفه المغرب عبر تاريخه، خاصة من خلال جامعة القرويين بفاس، التي تاسست سنة 859 وتعد أعرق جامعة ما تزال قائمة في العالم، والتي شكلت منارة للعلم والمعرفة وأسهمت في ازدهار العديد من العلوم، ومنها علوم الفلك والرياضيات ، تخرج منها سنة 1003 بابا الفاتيكان سيلفستر الثاني الذي تشكل كتبه اهم مرجعية في علم الفلك في الفاتيكان .

وهكذا أصبح العلم المغربي ، الذي تم إقراره رسميا من طرف السلطان محمد الخامس بظهير شريف سنة 1947 ، تجسيدًا لالتقاء الدولة والأمة، وللتكامل بين الشرعية التاريخية والروحية والعلمية، في إطار هوية وطنية متماسكة ومتجددة. فهو يرمز إلى استمرارية الدولة المغربية، وإلى تلاحم العرش والشعب، وإلى قدرة الأمة المغربية على صون وحدتها وتنوعها الحضاري عبر العصور.

وبفضل هذه المقومات، ظل المغرب دولة أمة راسخة الجذور، قادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية ، ومؤهلة للاضطلاع بأدوار إقليمية ودولية متنامية ، مستندة إلى تاريخ عريق وحضارة متجدرة وثقافة غنية  ومؤسسات ضامنة للاستمرارية والاستقرار .




الجمعة 31 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن