كتاب الرأي

​"الهيئة أو الفوضى": صرخة إنذار من الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة


سادت أجواء نضالية صباح اليوم بمركز الندوات التابع لوزارة التجهيز. فقبل 48 ساعة فقط من افتتاح مؤتمره الوطني التاسع، استبدل الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة (UNIM) اللغة التقنية المعتادة بخطاب نضالي صريح. وفي الوقت الذي تحولت فيه المملكة إلى ورش مفتوح استعداداً لمونديال 2030، يعلن "بناة الوطن" أنهم وصلوا إلى مرحلة الإنهاك. وبين مطلب ملح لإحداث هيئة وطنية لتنظيم المهنة، وتنديد لاذع بتسليع الشواهد العلمية، يوجه المهندسون رسالة حازمة للحكومة: "افتحوا أعينكم، فلا تنمية بدون مهندسين".



عزيز الهلالي يربط نجاح الأوراش الوطنية بكرامة المهندس

سلط الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة الضوء هذا الصباح، بوضوح صارم، على "مفارقة مغربية" غريبة. ففي الوقت الذي يحتاج فيه المغرب إلى مهندسيه أكثر من أي وقت مضى، مع وجود أكثر من 120 مشروعاً استراتيجياً قيد الإنجاز - من الطرق السيارة للماء إلى ملاعب مونديال 2030 - لم تشعر المهنة قط بأنها هشة وغير منظمة كما هي عليه اليوم.

الندوة الصحفية، التي نُظمت تمهيداً للمؤتمر الذي سينطلق يوم الجمعة 23 يناير، لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت منبراً للمساءلة الجماعية. حيث وضع السيد عبد الرحيم هندوف، رئيس الاتحاد، تشخيصاً دقيقاً لمهنة تعاني من أزمة هوية وهيكلة حقيقية. وكانت نقطة الغضب الرئيسية هي الغياب غير المبرر لـ "هيئة وطنية للمهندسين" قادرة على تنظيم الولوج إلى المهنة.

ولعل اللحظة الأقوى في الصباح كانت الهجوم الذي شنه السيد هندوف على بعض الانزلاقات في قطاع التعليم العالي الخاص. وبعيداً عن لغة الخشب، أشار رئيس الاتحاد بأصابع الاتهام إلى "تسليع" خطير لصفة المهندس، مصرحاً بجرأة: "يجب قولها بوضوح: بعض المدارس الخاصة لا تُكوّن المهندسين، بل تبيع الدبلومات".

هذا التصريح ليس مجانياً، بل يجسد المطلب المركزي للاتحاد: إحداث هيئة وطنية (Ordre National) تتمتع بصلاحيات حقيقية. فبالنسبة للاتحاد، الهندسة حاضرة في كل مكان، من سلامة السدود إلى موثوقية الأنظمة البنكية، ولا يمكن تركها في حالة من الفوضى. إن غياب التنظيم يسمح اليوم لملفات غير مؤهلة بتحمل مسؤوليات حساسة، مما يعرض سلامة المواطنين وجودة البنيات التحتية للخطر. وعليه، يطالب الاتحاد الحكومة بوقف سياسة الآذان الصماء وفتح حوار فوري لهيكلة المهنة قانونياً، أسوة بالأطباء والمحامين والمهندسين المعماريين.

وإذا كانت جودة التكوين مبعث قلق، فإن هجرة الكفاءات تشكل مبعث رعب حقيقي. فقد تناول الكلمة السيد عزيز الهلالي، العضو البارز في اللجنة الإدارية، ليرسم صورة قاتمة عن النزيف الذي يضرب جسم المهندسين، متسائلاً: "كيف يأمل المغرب في تحقيق نموه وإنجاح أوراشه الكبرى إذا كانت أفضل عناصره تُجبر على الرحيل؟".

بالنسبة للسيد الهلالي، فإن الهجرة ليست خياراً مهنياً، بل هي اضطرار تفرضه ظروف العمل المتدهورة في المغرب. فتجميد الأجور في الوظيفة العمومية، وغياب اتفاقية جماعية تحمي المهندس في القطاع الخاص، وانعدام الاعتراف الاجتماعي، كلها عوامل تدفع الآلاف من الخريجين الشباب نحو أوروبا أو أمريكا الشمالية. وقد شدد الهلالي على أن "نجاح تدبير الشأن العام يمر حتماً عبر تحسين وضعية المهندسين". وبمعنى أوضح، فإن المغرب ينفق أموالاً طائلة لتكوين نخب تقنية تذهب لتبني ازدهار دول أخرى.

وقد فصلت الأرضية التقديمية للندوة، التي تلاها السيد الهلالي والتي تعتبر بمثابة خارطة طريق للمؤتمر القادم، المطالب التي سيتم رفعها في نهاية الأسبوع. فالاتحاد لا يكتفي بالانتقاد، بل يقترح خطة إنقاذ تقوم على ثلاثة محاور:

أولاً، تنظيم المهنة عبر "الهيئة الوطنية" لحماية اللقب وأخلاقيات المهنة. ثانياً، مراجعة شاملة للنظام الأساسي لمهندسي القطاع العام، الذين يعتبرون الدينامو المحرك للوزارات، والذين يرون مسارهم المهني يراوح مكانه بينما تتضاعف مسؤولياتهم. وأخيراً، الاستعجال في إقرار اتفاقية جماعية للقطاع الخاص، حيث تسود فوارق صارخة في الأجور ويُعامل المهندس غالباً كمجرد منفذ دون حماية اجتماعية كافية.

عند مغادرة قاعة الندوة، كان الشعور السائد هو أن المهنة قد استنفدت رصيد صبرها. فالمؤتمر التاسع، الذي سينعقد تحت شعار "رد الاعتبار للمهندس المغربي"، لن يكون حفلاً، بل أشبه بـ "مجلس حرب".

يدرك المهندسون أنهم يمتلكون ورقة ضغط غير مسبوقة: أجندة 2030. فالمغرب لا يستطيع تحمل نزاع اجتماعي مع الفئة التي يقع على عاتقها تسليم الملاعب والموانئ والشبكات الكهربائية الموعودة للعالم. الرسالة التي أُرسلت هذا الصباح للحكومة واضحة وضوح الشمس: لقد حان الوقت للانتقال من الخطابات حول "الرأسمال البشري" إلى الأفعال التشريعية والمادية. وإذا لم يُفتح الحوار بسرعة، فإن "الدينامية الإصلاحية" التي تفتخر بها الدولة قد تصطدم بجدار استياء مهندسيها.

الموعد مضروب يوم الجمعة 23 يناير لنرى ما إذا كانت هذه التعبئة ستترجم إلى قرارات ملموسة. لكن الشيء المؤكد هو أن المهندسين المغاربة لم يعودوا يقبلون بأن يكونوا "المنسيين" في قصة النمو التي يبنونها بسواعدهم.

مامون أشرقي




الجمعة 23 يناير 2026
في نفس الركن