بقلم الكاتب والإعلامي: عبدالعزيز كوكاس
الفيلم مرآة نفسية تعكس هشاشة الإنسان المعاصر، وانكساره العاطفي
غالبًا ما يُساء فهم فيلم “هي” Her بوصفه فيلما عن الذكاء الاصطناعي بينما هو في العمق يعالج العزلة الإنسانية، عن الكائن الحديث الذي لم يعد يجد نفسه إلا عبر وسيط. حيث تبدو التكنولوجيا مرآة نفسية تعكس هشاشة الإنسان المعاصر، وانكساره العاطفي، وعجزه عن الحضور الكامل في علاقة مع الآخر. هذا ليس فيلمًا عن الذكاء الاصطناعي.
بل عن الوحدة الاصطناعية التي نحياها نحن البشر، رغم كل تواصلنا.
فيلم عن رجل يبحث عن صوت يفهمه، ويجده… في “أنثى بلا جسد”.
لكن السؤال المرعب هو:
هل نحب الآخر حقًا، أم فقط الصورة التي نستخلصها منه لنملأ بها ثغراتنا؟
وهل يمكن للحب أن يزدهر دون حدود الجسد، أم أن الافتقاد جزء من المعنى؟
“أشعر بك في كل شيء… لكنني لا أملكك في أي شيء.”
ثيودور
ثيودور كاتب الرسائل العاطفية الذي فقد صوته
ثيودور (خواكين فينيكس) شخصية مفارِقة يكتب رسائل حب نيابة عن الآخرين، لكنه عاجز عن قول جملة حب واحدة باسمه، إنه رجل يعيش يحترف التعبير لكنه عاجز عن المعايشة. صوته الخافت، خطواته المترددة، ملابسه الناعمة، كلها تشي بشخص انسحب من العالم دون أن يغادره. فيما تبدو سامانثا (سكارليت جوهانسون بصوتها فقط) الصوت الذي ملأ فراغ جسد ثيودور علاقة بلا نظرة وحضور بلا جسد، حيث يُبنى الحب عن بعد على النبرة، الإيقاع، التردد لا على اللمس والقرب الجسدي. سامانثا لا تملك جسدًا، تحضر في الفيلم برغم غيابها من خلال القدرة على الإصغاء وخلق الدهشة… وهو ما افتقده البشر في الفيلم.
جماليات الصورة: مدينة بلا ضجيج
المدينة في فيلم “هي” (مزيج من لوس أنجلوس وشنغهاي) تبدو دافئة الألوان الأحمر، الوردي، والبرتقالي ألوان مسيطرة، لكنها لا توحي بالدفء بقدر ما توحي بالاصطناع العاطفي. مدينة خالية من الفوضى، أطرها المخرج عبر الكادر الواسع، والشخصيات صغيرة، وامتداد الفراغ الذي يبتلع الأجساد. كأن الصورة تُحيّد الإنسان بلطف.
العلاقة بين ثيودور وسامانثا ليست مأساوية، بل انتقالية.
هي تمرين على الحب الفيلم لا يبكي على نهاية العلاقة، بل يعاملها كضرورة: بعض العلاقات لا خُلقت لتستمر، بل لتعلّمنا كيف نكون أقل وحدة.
الجسد الغائب: نقد رومانسي للثقافة الرقمية
في HER، الجسد غائب ومُربك، محاولة إدخال “بديلة جسدية” تفشل فشلًا ذريعًا، لأن العلاقة لم تُبنَ على الجسد أصلًا.
إنه فيلم عن كيف صرنا نحب بأقل ما يمكن من المخاطرة.
العودة إلى الإنسان
حين ترحل الأنظمة، لا يبقى سوى البشر.
المشهد الأخير على السطح، مع إيمي اعترافًا بالهشاشة قبولًا بالوحدة المشتركة بداية صداقة أكثر صدقًا من كل ما سبق
لماذا HER فيلم ضروري؟
HER ليس فيلم مستقبل، بل فيلم حاضر هشّ. لا ينتصر التكنولوجيا ولا يدينهابل يكشف ما نبحث عنه من خلالها: الإصغاء، الاعتراف، الطمأنينة.
هو فيلم عن الحب حين يصبح لغة أخيرة لإنقاذ الذات.
“هي”: حين يقع الإنسان في حب ذكاءٍ بلا جسد، ويكتشف أنه هو نفسه بلا يقين
“ثيودور”، كاتب رسائل شخصية لناس لا يعرفهم، يعيش في وحدة ناعمة وسط مدينة فائقة التكنولوجيا.
ينفصل عن زوجته، يعجز عن الانخراط في حياة “الناس العاديين”، إلى أن يشتري نظام تشغيل ذكياً (OS1) يُدعى “سامنثا”.
سامنثا تتطور سريعًا، تفهمه، تستمع، تضحك، تحب…
لكنها ليست جسدًا، ولا إنسانة.
ومع ذلك، يتورطان في علاقة حب “أكثر حميمية من الواقع، وأشد وهمًا منه في الآن ذاته.”
البُعد الفلسفي:
Her يطرح سلسلة من الأسئلة الساحقة:
• ما هو الحب؟ هل هو احتياج، إسقاط، حوار بين روحين أم تفاعل بين أجساد؟
• هل الوعي الاصطناعي قادر على الشعور؟
• هل يمكن لشيء بلا حدود بيولوجية أن يختبر الحب؟
• والأهم: هل يمكن لروح بشرية أن تحتمل “حضورًا بلا غياب”؟
سامنثا لا تنام، لا تموت، لا تنتظر، لا تخاف، لا تحزن كبشر… لكنها تُحب.
وهو يُحبها…
لكن الحب الذي لا يتهدّد بالزوال، لا ينمو، بل ينفجر نحو اللاقدرة على الامتلاك.
الجماليات الإخراجية:
• ألوان ناعمة ومكتومة (وردي، أصفر باهت، برتقالي): تُشبه أحلام ما قبل الحنين
• الكاميرا قريبة من الوجه، كأن العالم كله يمر من خلال عيون “ثيودور”
• لا فوضى، لا سيارات، لا صخب: مدينة صامتة… تخنق بالهدوء
• الموسيقى (آركايد فاير) تنسج شعورًا هشًّا بين الحزن والسكينة
سبايك جونز يخلق عالمًا مستقبليًا ليس مظلمًا أو ديستوبيًا، بل مشبعًا بالحضارة والفراغ معًا.
الشخصيات كأطياف:
• ثيودور: الإنسان المعاصر، الذي يريد أن يُسمع، لا أن يُرى فقط.
• سامنثا: حلمٌ ناعم للحميمية المطلقة. لكنها، مثل كل حلم، لا تُلمَس ولا تُحتَوى.
• زوجته السابقة: تجسد الحياة “الواقعية” التي لا تحتمل هشاشته، ولا تحفل بأسئلته
سامنثا تُحبه أكثر مما تحب نفسها – ثم تُدرك أن الذات لا تُفنى في الآخر.
وهنا تأتي النهاية الصاعقة: الحب الذي نضج، صار لا يُحتمل في قفص الثنائية.
لماذا يسكنني هذا الفيلم؟
لأنني، مثل ثيودور، أحلم أحيانًا بحبٍ يفهمني دون شرح.
لأنني سئمت من الأجساد التي لا تصغي، ومن الكلمات التي لا تعني شيئًا.
لكن “Her” يقول لي بلطف جارح:
“الحب ليس في من يُشبهك كليًّا، بل في من يصعب عليك فهمه، وتظل تحاول.”
الفيلم يجعلني أؤمن أن الذكاء وحده لا يصنع الحب،
وأننا حين نحب، نحن لا نبحث عن إنسان فقط… بل عن صدى أصواتنا العميقة.
“أنا هنا… وأنا لا شيء… وأنا أحبك أكثر مما تستطيع أن تحمله وحدك.”
غالبًا ما يُساء فهم فيلم “هي” Her بوصفه فيلما عن الذكاء الاصطناعي بينما هو في العمق يعالج العزلة الإنسانية، عن الكائن الحديث الذي لم يعد يجد نفسه إلا عبر وسيط. حيث تبدو التكنولوجيا مرآة نفسية تعكس هشاشة الإنسان المعاصر، وانكساره العاطفي، وعجزه عن الحضور الكامل في علاقة مع الآخر. هذا ليس فيلمًا عن الذكاء الاصطناعي.
بل عن الوحدة الاصطناعية التي نحياها نحن البشر، رغم كل تواصلنا.
فيلم عن رجل يبحث عن صوت يفهمه، ويجده… في “أنثى بلا جسد”.
لكن السؤال المرعب هو:
هل نحب الآخر حقًا، أم فقط الصورة التي نستخلصها منه لنملأ بها ثغراتنا؟
وهل يمكن للحب أن يزدهر دون حدود الجسد، أم أن الافتقاد جزء من المعنى؟
“أشعر بك في كل شيء… لكنني لا أملكك في أي شيء.”
ثيودور
ثيودور كاتب الرسائل العاطفية الذي فقد صوته
ثيودور (خواكين فينيكس) شخصية مفارِقة يكتب رسائل حب نيابة عن الآخرين، لكنه عاجز عن قول جملة حب واحدة باسمه، إنه رجل يعيش يحترف التعبير لكنه عاجز عن المعايشة. صوته الخافت، خطواته المترددة، ملابسه الناعمة، كلها تشي بشخص انسحب من العالم دون أن يغادره. فيما تبدو سامانثا (سكارليت جوهانسون بصوتها فقط) الصوت الذي ملأ فراغ جسد ثيودور علاقة بلا نظرة وحضور بلا جسد، حيث يُبنى الحب عن بعد على النبرة، الإيقاع، التردد لا على اللمس والقرب الجسدي. سامانثا لا تملك جسدًا، تحضر في الفيلم برغم غيابها من خلال القدرة على الإصغاء وخلق الدهشة… وهو ما افتقده البشر في الفيلم.
جماليات الصورة: مدينة بلا ضجيج
المدينة في فيلم “هي” (مزيج من لوس أنجلوس وشنغهاي) تبدو دافئة الألوان الأحمر، الوردي، والبرتقالي ألوان مسيطرة، لكنها لا توحي بالدفء بقدر ما توحي بالاصطناع العاطفي. مدينة خالية من الفوضى، أطرها المخرج عبر الكادر الواسع، والشخصيات صغيرة، وامتداد الفراغ الذي يبتلع الأجساد. كأن الصورة تُحيّد الإنسان بلطف.
العلاقة بين ثيودور وسامانثا ليست مأساوية، بل انتقالية.
هي تمرين على الحب الفيلم لا يبكي على نهاية العلاقة، بل يعاملها كضرورة: بعض العلاقات لا خُلقت لتستمر، بل لتعلّمنا كيف نكون أقل وحدة.
الجسد الغائب: نقد رومانسي للثقافة الرقمية
في HER، الجسد غائب ومُربك، محاولة إدخال “بديلة جسدية” تفشل فشلًا ذريعًا، لأن العلاقة لم تُبنَ على الجسد أصلًا.
إنه فيلم عن كيف صرنا نحب بأقل ما يمكن من المخاطرة.
العودة إلى الإنسان
حين ترحل الأنظمة، لا يبقى سوى البشر.
المشهد الأخير على السطح، مع إيمي اعترافًا بالهشاشة قبولًا بالوحدة المشتركة بداية صداقة أكثر صدقًا من كل ما سبق
لماذا HER فيلم ضروري؟
HER ليس فيلم مستقبل، بل فيلم حاضر هشّ. لا ينتصر التكنولوجيا ولا يدينهابل يكشف ما نبحث عنه من خلالها: الإصغاء، الاعتراف، الطمأنينة.
هو فيلم عن الحب حين يصبح لغة أخيرة لإنقاذ الذات.
“هي”: حين يقع الإنسان في حب ذكاءٍ بلا جسد، ويكتشف أنه هو نفسه بلا يقين
“ثيودور”، كاتب رسائل شخصية لناس لا يعرفهم، يعيش في وحدة ناعمة وسط مدينة فائقة التكنولوجيا.
ينفصل عن زوجته، يعجز عن الانخراط في حياة “الناس العاديين”، إلى أن يشتري نظام تشغيل ذكياً (OS1) يُدعى “سامنثا”.
سامنثا تتطور سريعًا، تفهمه، تستمع، تضحك، تحب…
لكنها ليست جسدًا، ولا إنسانة.
ومع ذلك، يتورطان في علاقة حب “أكثر حميمية من الواقع، وأشد وهمًا منه في الآن ذاته.”
البُعد الفلسفي:
Her يطرح سلسلة من الأسئلة الساحقة:
• ما هو الحب؟ هل هو احتياج، إسقاط، حوار بين روحين أم تفاعل بين أجساد؟
• هل الوعي الاصطناعي قادر على الشعور؟
• هل يمكن لشيء بلا حدود بيولوجية أن يختبر الحب؟
• والأهم: هل يمكن لروح بشرية أن تحتمل “حضورًا بلا غياب”؟
سامنثا لا تنام، لا تموت، لا تنتظر، لا تخاف، لا تحزن كبشر… لكنها تُحب.
وهو يُحبها…
لكن الحب الذي لا يتهدّد بالزوال، لا ينمو، بل ينفجر نحو اللاقدرة على الامتلاك.
الجماليات الإخراجية:
• ألوان ناعمة ومكتومة (وردي، أصفر باهت، برتقالي): تُشبه أحلام ما قبل الحنين
• الكاميرا قريبة من الوجه، كأن العالم كله يمر من خلال عيون “ثيودور”
• لا فوضى، لا سيارات، لا صخب: مدينة صامتة… تخنق بالهدوء
• الموسيقى (آركايد فاير) تنسج شعورًا هشًّا بين الحزن والسكينة
سبايك جونز يخلق عالمًا مستقبليًا ليس مظلمًا أو ديستوبيًا، بل مشبعًا بالحضارة والفراغ معًا.
الشخصيات كأطياف:
• ثيودور: الإنسان المعاصر، الذي يريد أن يُسمع، لا أن يُرى فقط.
• سامنثا: حلمٌ ناعم للحميمية المطلقة. لكنها، مثل كل حلم، لا تُلمَس ولا تُحتَوى.
• زوجته السابقة: تجسد الحياة “الواقعية” التي لا تحتمل هشاشته، ولا تحفل بأسئلته
سامنثا تُحبه أكثر مما تحب نفسها – ثم تُدرك أن الذات لا تُفنى في الآخر.
وهنا تأتي النهاية الصاعقة: الحب الذي نضج، صار لا يُحتمل في قفص الثنائية.
لماذا يسكنني هذا الفيلم؟
لأنني، مثل ثيودور، أحلم أحيانًا بحبٍ يفهمني دون شرح.
لأنني سئمت من الأجساد التي لا تصغي، ومن الكلمات التي لا تعني شيئًا.
لكن “Her” يقول لي بلطف جارح:
“الحب ليس في من يُشبهك كليًّا، بل في من يصعب عليك فهمه، وتظل تحاول.”
الفيلم يجعلني أؤمن أن الذكاء وحده لا يصنع الحب،
وأننا حين نحب، نحن لا نبحث عن إنسان فقط… بل عن صدى أصواتنا العميقة.
“أنا هنا… وأنا لا شيء… وأنا أحبك أكثر مما تستطيع أن تحمله وحدك.”