بقلم : عائشة بوسكين
نائل العيناوي، لاعب خط وسط نادي روما والمنتخب المغربي، وُلد في فرنسا ونشأ داخل منظومة كروية أوروبية خالصة، حيث تدرج عبر أكاديميات فرنسية بارزة أبرزها نادي نانسي ثم لانس، قبل أن يواصل مسيرته الاحترافية في الدوري الإيطالي مع روما. هذا المسار لا يعكس حالة استثنائية، بل نموذجاً شائعاً لجيل كامل من اللاعبين المغاربة الذين تكوّنوا خارج أرض الوطن.
والده، يونس العيناوي، يُعد من أبرز الرياضيين المغاربة في تاريخ كرة المضرب، إذ سبق له أن وصل إلى المرتبة 14 عالمياً في التصنيف الاحترافي للتنس، وحقق خمسة ألقاب في بطولات ATP، إلى جانب إنجازات بارزة في البطولات الكبرى. وهو اسم ارتبط طويلاً برياضة التنس العالمية، ما يجعل حديثه عن تجربة ابنه امتداداً طبيعياً لخبرة رياضية طويلة، وليس مادة للجدل أو التأويل الحاد.
لكن في المقابل، كان من الأجدر بيونس العيناوي أن يتفادى الخوض في تصريحات قد تُساء قراءتها أو تُنتزع من سياقها، خاصة في هذه المرحلة الحساسة من مسيرة ابنه، حيث يستعد نائل رفقة المنتخب الوطني لاستحقاقات مهمة، في مقدمتها مباراة حاسمة أمام هايتي، وهي مرحلة تتطلب تركيزاً كاملاً بعيداً عن أي جدل جانبي قد يضغط على اللاعب أو يشتت انتباهه في توقيت لا يحتمل التأويلات
اللافت في هذا النقاش أن جزءاً من الرأي العام تعامل مع تصريحات والد اللاعب وكأنها “دليل خيانة ”، في حين أن السياق الحقيقي يعكس مجرد سرد لتجربة شخصية، تتقاطع فيها الطموحات الرياضية مع الواقع المهني للاعبين الذين يعيشون بين أكثر من منظومة كروية.
الأمر ذاته وقع مع لامين يامال، لاعب برشلونة ومنتخب إسبانيا، الذي اختار تمثيل “لاروخا” رغم أصوله المغربية. هذا الاختيار لم يُبنَ على أي منطق “خيانة” أو “تنكر”، بل على مسار رياضي وتكويني واضح داخل المنظومة الإسبانية، وهو ما ينطبق في العمق على حالة العيناوي أيضاً، لكن في اتجاه مختلف
ولا يمكن تجاهل ما أظهره نائل العيناوي من التزام داخل الملعب في أكثر من مناسبة، حيث بصم على صورة لاعب يقاتل حتى النهاية رغم الإصابات القوية التي تعرض لها في مباريات رفقة المنتخب الوطني. فقد أكمل المباراة التي كانت ضد اسكتلندا وهو يعاني من إصابة على مستوى الوجه، واضطر لمواصلة اللعب وهو يضع ضمادة طبية
كما تأثر بإصابة دموية على مستوى الرأس خلال نهائي كأس إفريقيا، ورغم ذلك أصر على إتمام اللقاء إلى النهاية. هذه المشاهد، بما تحمله من دلالات، تضع علامات استفهام حول منطق التشكيك في انتماء لاعب يقدم داخل الميدان أقصى درجات الالتزام والتضحية، في الوقت الذي يُطلب منه خارج المستطيل الأخضر أن يبرر وطنيته أو يُمحص في نواياه
هنا يتجلى مربط الفرس : هل يمكن اختزال هوية اللاعب في قرار رياضي يتعلق بمرحلة معينة من مسيرته؟ أم أن الأمر يتعلق بمنظومة تكوين، وفرص، وتوقيت، وظروف لا علاقة لها بالعاطفة الوطنية المجردة؟
الواقع أن المغرب، مثل غيره من الدول، لا يقوم في الغالب بتكوين هؤلاء اللاعبين منذ المراحل الأولى، بل يستفيد منهم لاحقاً بعد تكوينهم في مدارس أوروبية متقدمة. وبالتالي فإن اختيارهم لمنتخب آخر في بداية المسار لا يمكن اعتباره حكماً نهائياً على انتمائهم، ولا سبباً لفتح باب التشكيك أو المزايدة.
كرة القدم الحديثة لم تعد فضاءً بسيطاً لتوزيع الولاءات، بل أصبحت سوقاً عالمياً معقداً تتحكم فيه الفرص الرياضية، والمنافسة داخل المنتخبات، والتخطيط المهني للاعب. وفي هذا السياق، يصبح احترام الاختيار الفردي جزءاً من النضج الرياضي، وليس تنازلاً عن "الوطنية"
في نهاية المطاف، لا يُطلب من نائل العيناوي، ولا من لامين يامال، ولا من غيرهما من اللاعبين مزدوجي الجنسية أن يخوضوا معركة إثبات الانتماء للوطن، لأن الهوية لا تُختزل في تصريحات عابرة ولا في تفاعلات رقمية، بل تُبنى عبر مسار طويل من الروابط الإنسانية والثقافية التي تظل قائمة مهما اختلفت القمصان أو تغيرت الاختيارات