بقلم : عدنان بنشقرون
فهل يتعلق الأمر بإصلاح مسؤول يروم ترك منظومة مالية أكثر نجاعة واستقرارا؟ أم أن الحكومة تحاول بشكل غير مباشر تقليص هامش تحرك الحكومة المقبلة عبر فرض قواعد ومؤشرات جديدة قبل نهاية الولاية الحالية؟ الجواب لن يتحدد فقط من خلال الخطاب الرسمي، بل أيضا عبر مضمون النص النهائي وطريقة مناقشته داخل البرلمان ومدى فسح المجال لنقاش عمومي حقيقي حوله.
المغرب يسعى لتتبع كل درهم من المال العام
الميزانية العمومية لا تعني فقط أرقاما واعتمادات مالية موزعة على القطاعات، بل تعكس اختيارات الدولة وأولوياتها الكبرى، كما ترتبط بشكل مباشر بأموال دافعي الضرائب. ومن هذا المنطلق تستعد الحكومة لإطلاق مرحلة جديدة من إصلاح القانون التنظيمي للمالية المعروف اختصارا بـ “LOF”.
هذا الورش ليس جديدا بالكامل، إذ سبق للقانون التنظيمي رقم 130.13، الذي دخل حيز التنفيذ تدريجيا ابتداء من سنة 2016، أن أحدث تحولا مهما في طريقة إعداد الميزانية العمومية بالمغرب، من خلال اعتماد البرمجة متعددة السنوات، والتدبير بالأهداف، ومؤشرات الأداء، وتقوية الوثائق الميزانياتية، بهدف الانتقال من منطق تدبير الوسائل إلى منطق تدبير النتائج.
وبعد مرور نحو عشر سنوات، باتت الحصيلة أكثر وضوحا؛ فالإجراءات والآليات أصبحت قائمة، ومستوى الشفافية تحسن نسبيا، لكن السؤال الأساسي ظل مطروحا: هل أصبح بالإمكان فعلا قياس فعالية الإنفاق العمومي وتقييم نتائجه وتصحيح الاختلالات المرتبطة به؟
الإصلاح الجديد يسعى للإجابة عن هذا السؤال، خاصة بعدما أدرج ضمن الأوراش المرافقة لقانون مالية 2026، إلى جانب اعتماد وزارة الاقتصاد والمالية، في 8 أبريل 2026، إطارا استراتيجيا لإصلاح تدبير المالية العمومية للفترة الممتدة بين 2026 و2032، يرتكز على خمسة محاور رئيسية تشمل الأداء والاستدامة والشفافية والإدماج والتنسيق بين الإصلاحات.
توسيع المراقبة لتشمل المؤسسات العمومية
من أبرز أهداف الإصلاح المرتقب توسيع نطاق القانون التنظيمي للمالية ليشمل المؤسسات والمقاولات العمومية المستفيدة من دعم الدولة أو من الموارد المخصصة لبرامج عمومية، وهو تحول يحمل أبعادا سياسية وإدارية مهمة.
فالأمر لن يقتصر مستقبلا على معرفة حجم الدعم الذي تتلقاه مؤسسة عمومية معينة، بل سيتم التركيز أيضا على تقييم نتائجها ومدى تحقيقها للأهداف المسطرة ومدى انعكاس ذلك على المواطنين والتنمية الترابية.
وهنا يبرز البعد السياسي الحقيقي للإصلاح، خاصة في ظل حجم الاستثمارات العمومية الضخمة التي يضخها المغرب في مجالات كالحماية الاجتماعية والماء والصحة والتعليم والبنيات التحتية والطاقات المتجددة. فهذه المشاريع، رغم أهميتها، أصبحت تفرض ضرورة تقييم مردوديتها وفعاليتها بشكل أكثر دقة وصرامة.
نحو ميزانية قائمة على النتائج لا على النفقات فقط
الإصلاح الجديد يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الإنفاق العمومي لا يجب أن يقاس فقط بحجم الأموال المرصودة، بل أيضا بنتائجها الفعلية على أرض الواقع. فالمشاريع المكلفة ليست بالضرورة مشاريع ناجحة، والدعم العمومي لا يصبح فعالا فقط لأنه يتكرر كل سنة.
ومن هذا المنطلق، تسعى الحكومة إلى ربط كل درهم من المال العام بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، مع تعزيز منطق المحاسبة والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج.
قواعد جديدة لضبط الدين والإنفاق
من بين أبرز المقتضيات التي يتضمنها المشروع أيضا وضع قاعدة ميزانياتية جديدة ترتبط بأهداف متوسطة المدى للدين العمومي، مع إمكانية تجاوزها في حالات استثنائية.
كما يتجه الإصلاح نحو تشديد مراقبة الموارد المالية المخصصة لبعض المؤسسات والصناديق، عبر تحديد سقوف معينة وإعادة الفوائض المحتملة إلى الميزانية العامة، وذلك بهدف الحفاظ على التوازنات المالية للدولة والحد من تضخم النفقات غير الخاضعة للمراقبة المباشرة.
وفي ظل التقلبات الدولية والأزمات المرتبطة بالطاقة والمناخ والجغرافيا السياسية، تعتبر الحكومة أن هذا التوجه ضروري لحماية الاستقرار المالي والحفاظ على السيادة الاقتصادية.
دور أكبر للبرلمان في مراقبة المال العام
الإصلاح المرتقب يمنح أيضا أهمية أكبر لدور البرلمان في مراقبة المالية العمومية، من خلال توفير معطيات أكثر تفصيلا حول تنفيذ الميزانية، وتحسين الربط بين البرمجة متعددة السنوات والنقاشات الميزانياتية السنوية، إضافة إلى تقوية آليات تتبع الأداء والنتائج.
لكن رغم ذلك، يبقى التحدي الحقيقي هو جعل هذه المعطيات قابلة للفهم والاستعمال الفعلي، لأن تضخم التقارير والمؤشرات لا يعني بالضرورة وجود رقابة فعالة، ما لم تتحول الشفافية إلى أداة للمحاسبة والتقييم وتصحيح الاختلالات.
بين الإصلاح الحقيقي والهواجس السياسية
ورغم الطابع التقني الذي يقدَّم به هذا الإصلاح، إلا أن اقترابه من موعد الانتخابات يجعل قراءته السياسية أمرا حتميا، خاصة أن أي تعديل في قواعد تدبير المالية العمومية قد يؤثر بشكل مباشر على طريقة اشتغال الحكومة المقبلة وهوامش تحركها.
في النهاية، يبقى نجاح هذا الورش مرتبطا بمدى قدرته على تحويل الميزانية العمومية إلى عقد حقيقي بين الدولة والمواطن، قائم على النجاعة والشفافية وربط المسؤولية بالنتائج، بدل أن يتحول إلى مجرد تعديل قانوني جديد يضاف إلى سلسلة الإصلاحات غير المكتملة