في الدقائق الأخيرة من الوقت بدل الضائع، وبعد الرجوع إلى تقنية حكم الفيديو المساعد، قرّر الحكم احتساب ضربة جزاء لصالح المنتخب المغربي. قرار ثقيل، حاسم، ومثير للجدل، لكنه يظل من حيث المبدأ قرارًا مشروعًا صادرًا عن الجهة الوحيدة المخوّلة بذلك داخل الملعب. هنا بالضبط تبدأ لحظة الاختبار الحقيقي لكرة القدم الحديثة: إما القبول بالقرار والتحرك داخل القنوات القانونية لاحقًا، أو كسر منطق اللعبة من الداخل.
الردّ السنغالي جاء خارج المألوف. لاعبو المنتخب غادروا أرضية الميدان بشكل جماعي تقريبًا، وبتأثير مباشر من الطاقم التقني. المباراة توقفت. ليس لثوانٍ أو دقائق عابرة، بل لمدّة طويلة نسبيًا، تجاوزت ربع ساعة. خلال تلك الفترة، لم تكن هناك مباراة بالمعنى الرياضي للكلمة. كان هناك فراغ، توتر، وانتظار ثقيل لقرار لم يُتخذ بعد.
هذا التوقف لم يكن مجرد احتجاج عاطفي. من زاوية القانون الرياضي، كان تعليقًا فعليًا لسير اللقاء، وخرقًا مباشرًا لمبدأ أساسي في كرة القدم: استمرارية اللعب واحترام القرار التحكيمي، مهما كان قاسيًا أو غير مقبول في نظر أحد الأطراف.
المشهد ازداد تعقيدًا مع نزول أشخاص غير مخوّل لهم إلى أرضية الملعب، في محاولة لإقناع اللاعبين بالعودة. صورة مربكة، تكشف خللًا مؤقتًا في التنظيم، وتطرح أسئلة حول السيطرة على المجال الرياضي في لحظة حساسة. في المدرجات، انفلت الوضع أكثر: محاولات اقتحام، اشتباكات مع عناصر الأمن، تخريب للممتلكات، واعتداءات طالت أعضاء من لجنة التنظيم وصحافيين كذلك.
الملعب، الذي يفترض أن يكون فضاءً للفرجة والتنافس، تحوّل إلى ساحة ضغط وفوضى. ومع ذلك، وبعد تدخل الجهات المنظمة، عاد المنتخب السنغالي إلى الميدان، ونُفّذت ضربة الجزاء، واستُكملت المباراة حتى نهايتها، رياضيًا، انتهى كل شيء عند صافرة الحكم. قانونيًا، لم يكن قد بدأ بعد، لأن القانون التأديبي في كرة القدم لا يكتفي بما يقع داخل التسعين دقيقة. هو نظام موازٍ، يعمل بعد المباراة، ويُقيّم السلوكيات، والنيات، والانقطاعات، حتى إن لم تُفعَّل كل الإجراءات في وقتها من طرف الحكم.
السؤال الجوهري هنا ليس : هل انسحب المنتخب السنغالي رسميًا من المباراة؟ الجواب القانوني الصارم هو لا. الحكم لم يعلن انسحابًا، واللاعبون عادوا وأكملوا اللقاء. لكن هذا الجواب، رغم صحته الشكلية، لا يغلق الملف.
ففي القانون الرياضي، هناك فرق بين “الانسحاب” و“رفض مواصلة اللعب”. هذا الأخير لا يشترط إعلانًا رسميًا ولا نهاية مبكرة للمباراة. يكفي أن يتوقف الفريق عن اللعب دون إذن الحكم، ولمدة مؤثرة، حتى يُعتبر السلوك مخالفًا وخاضعًا للمساءلة التأديبية، مغادرة الملعب احتجاجًا على قرار تحكيمي، ولو بشكل مؤقت، تمسّ بجوهر اللعبة. فهي لا تُضعف فقط سلطة الحكم، بل تهدد مبدأ المساواة بين المنتخبات، وتفتح الباب أمام سابقة خطيرة: تعطيل المباراة كوسيلة ضغط.
الأمر يزداد خطورة عندما يكون هذا السلوك جماعيًا، ومؤطرًا من طرف الطاقم التقني. هنا تنتفي فكرة “رد الفعل الفردي”، ويصبح الحديث عن قرار ضمني بتحدي النظام القائم للمنافسة.
ثم تأتي مسألة المسؤولية الاتحادية. في منظومة كرة القدم الدولية، لا يُحاسَب اللاعبون وحدهم. الاتحاد الوطني يتحمّل المسؤولية الكاملة عن سلوك لاعبيه، مدربيه، وجماهيره. هذا مبدأ راسخ، لا يقبل التأويل. أعمال الشغب، التخريب، ومحاولات التأثير على الحكم لا تُعتبر أحداثًا جانبية، بل عناصر مشدِّدة للعقوبة
العقوبات الممكنة متعددة : غرامات مالية ثقيلة، عقوبات فردية قد تطال المدرب أو لاعبين بعينهم، وإجراءات رياضية قد تصل إلى خوض مباريات دون جمهور. وفي مباراة نهائية قارية، تُقاس “الجسامة” بمعايير أعلى، لأن الرهان ليس فقط نتيجة لقاء، بل صورة المسابقة بأكملها.
يُضاف إلى ذلك دور الحكم ومندوب المباراة. صحيح أن الحكم هو صاحب السلطة داخل الميدان، وكان بإمكانه تفعيل مسطرة رفض اللعب بشكل أوضح. لكن عدم قيامه بذلك لا يعني سقوط المسؤولية. اللجان التأديبية تملك صلاحية مستقلة، وتعتمد على التقارير الرسمية، التسجيلات المصورة، وكل وسائل الإثبات المتاحة، بمعنى آخر: ما لم يُعاقَب عليه فورًا، يمكن أن يُحاسَب عليه لاحقًا.
أمام هذا المعطى، تبرز ثلاثة سيناريوهات قانونية. الأول، والأضعف، هو الاكتفاء باعتبار ما وقع احتجاجًا مبالغًا فيه، مع عقوبات محدودة لا تمس جوهر المنافسة. خيار قد يبدو مريحًا سياسيًا، لكنه يبعث رسالة خاطئة.
السيناريو الثاني، والأكثر انسجامًا مع منطق القانون والاجتهادات السابقة، يقوم على توصيف السلوك كرفض غير مشروع لمواصلة اللعب، مع فرض عقوبات رادعة دون المساس بنتيجة المباراة. هذا المسار يحمي سلطة الحكم، ويحافظ على استقرار المسابقة، ويمنع تكرار السلوك مستقبلاً.
أما السيناريو الثالث، وهو اعتبار ما وقع انسحابًا كاملًا من المباراة، فيظل نظريًا أكثر منه عمليًا، لغياب الأركان الإجرائية الكاملة وعدم إعلان الحكم نهاية اللقاء في حينه.
بعيدًا عن المغرب والسنغال، يطرح هذا النهائي سؤالًا أعمق على كرة القدم الإفريقية: كيف ندير لحظات الانفجار دون التضحية بالقانون؟ الجواب ليس في القمع ولا في التساهل، بل في تطبيق قواعد اللعبة عندما تكون كلفة تطبيقها عالية.
كرة القدم تتحمل الخطأ التحكيمي، تحتمل الغضب، وتستوعب الإحباط. لكنها لا تستطيع قبول تعطيل اللعب كوسيلة تفاوض. عند تلك اللحظة، لا تكون النتيجة وحدها على المحك، بل مصداقية المنافسة نفسها.
المرجع
تقرير قانوني مبدئي صادر عن المركز المتوسطي للدراسات والبحوث في القانون الرياضي (CMEDS) حول نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال، 18 يناير 2026.
الردّ السنغالي جاء خارج المألوف. لاعبو المنتخب غادروا أرضية الميدان بشكل جماعي تقريبًا، وبتأثير مباشر من الطاقم التقني. المباراة توقفت. ليس لثوانٍ أو دقائق عابرة، بل لمدّة طويلة نسبيًا، تجاوزت ربع ساعة. خلال تلك الفترة، لم تكن هناك مباراة بالمعنى الرياضي للكلمة. كان هناك فراغ، توتر، وانتظار ثقيل لقرار لم يُتخذ بعد.
هذا التوقف لم يكن مجرد احتجاج عاطفي. من زاوية القانون الرياضي، كان تعليقًا فعليًا لسير اللقاء، وخرقًا مباشرًا لمبدأ أساسي في كرة القدم: استمرارية اللعب واحترام القرار التحكيمي، مهما كان قاسيًا أو غير مقبول في نظر أحد الأطراف.
المشهد ازداد تعقيدًا مع نزول أشخاص غير مخوّل لهم إلى أرضية الملعب، في محاولة لإقناع اللاعبين بالعودة. صورة مربكة، تكشف خللًا مؤقتًا في التنظيم، وتطرح أسئلة حول السيطرة على المجال الرياضي في لحظة حساسة. في المدرجات، انفلت الوضع أكثر: محاولات اقتحام، اشتباكات مع عناصر الأمن، تخريب للممتلكات، واعتداءات طالت أعضاء من لجنة التنظيم وصحافيين كذلك.
الملعب، الذي يفترض أن يكون فضاءً للفرجة والتنافس، تحوّل إلى ساحة ضغط وفوضى. ومع ذلك، وبعد تدخل الجهات المنظمة، عاد المنتخب السنغالي إلى الميدان، ونُفّذت ضربة الجزاء، واستُكملت المباراة حتى نهايتها، رياضيًا، انتهى كل شيء عند صافرة الحكم. قانونيًا، لم يكن قد بدأ بعد، لأن القانون التأديبي في كرة القدم لا يكتفي بما يقع داخل التسعين دقيقة. هو نظام موازٍ، يعمل بعد المباراة، ويُقيّم السلوكيات، والنيات، والانقطاعات، حتى إن لم تُفعَّل كل الإجراءات في وقتها من طرف الحكم.
السؤال الجوهري هنا ليس : هل انسحب المنتخب السنغالي رسميًا من المباراة؟ الجواب القانوني الصارم هو لا. الحكم لم يعلن انسحابًا، واللاعبون عادوا وأكملوا اللقاء. لكن هذا الجواب، رغم صحته الشكلية، لا يغلق الملف.
ففي القانون الرياضي، هناك فرق بين “الانسحاب” و“رفض مواصلة اللعب”. هذا الأخير لا يشترط إعلانًا رسميًا ولا نهاية مبكرة للمباراة. يكفي أن يتوقف الفريق عن اللعب دون إذن الحكم، ولمدة مؤثرة، حتى يُعتبر السلوك مخالفًا وخاضعًا للمساءلة التأديبية، مغادرة الملعب احتجاجًا على قرار تحكيمي، ولو بشكل مؤقت، تمسّ بجوهر اللعبة. فهي لا تُضعف فقط سلطة الحكم، بل تهدد مبدأ المساواة بين المنتخبات، وتفتح الباب أمام سابقة خطيرة: تعطيل المباراة كوسيلة ضغط.
الأمر يزداد خطورة عندما يكون هذا السلوك جماعيًا، ومؤطرًا من طرف الطاقم التقني. هنا تنتفي فكرة “رد الفعل الفردي”، ويصبح الحديث عن قرار ضمني بتحدي النظام القائم للمنافسة.
ثم تأتي مسألة المسؤولية الاتحادية. في منظومة كرة القدم الدولية، لا يُحاسَب اللاعبون وحدهم. الاتحاد الوطني يتحمّل المسؤولية الكاملة عن سلوك لاعبيه، مدربيه، وجماهيره. هذا مبدأ راسخ، لا يقبل التأويل. أعمال الشغب، التخريب، ومحاولات التأثير على الحكم لا تُعتبر أحداثًا جانبية، بل عناصر مشدِّدة للعقوبة
العقوبات الممكنة متعددة : غرامات مالية ثقيلة، عقوبات فردية قد تطال المدرب أو لاعبين بعينهم، وإجراءات رياضية قد تصل إلى خوض مباريات دون جمهور. وفي مباراة نهائية قارية، تُقاس “الجسامة” بمعايير أعلى، لأن الرهان ليس فقط نتيجة لقاء، بل صورة المسابقة بأكملها.
يُضاف إلى ذلك دور الحكم ومندوب المباراة. صحيح أن الحكم هو صاحب السلطة داخل الميدان، وكان بإمكانه تفعيل مسطرة رفض اللعب بشكل أوضح. لكن عدم قيامه بذلك لا يعني سقوط المسؤولية. اللجان التأديبية تملك صلاحية مستقلة، وتعتمد على التقارير الرسمية، التسجيلات المصورة، وكل وسائل الإثبات المتاحة، بمعنى آخر: ما لم يُعاقَب عليه فورًا، يمكن أن يُحاسَب عليه لاحقًا.
أمام هذا المعطى، تبرز ثلاثة سيناريوهات قانونية. الأول، والأضعف، هو الاكتفاء باعتبار ما وقع احتجاجًا مبالغًا فيه، مع عقوبات محدودة لا تمس جوهر المنافسة. خيار قد يبدو مريحًا سياسيًا، لكنه يبعث رسالة خاطئة.
السيناريو الثاني، والأكثر انسجامًا مع منطق القانون والاجتهادات السابقة، يقوم على توصيف السلوك كرفض غير مشروع لمواصلة اللعب، مع فرض عقوبات رادعة دون المساس بنتيجة المباراة. هذا المسار يحمي سلطة الحكم، ويحافظ على استقرار المسابقة، ويمنع تكرار السلوك مستقبلاً.
أما السيناريو الثالث، وهو اعتبار ما وقع انسحابًا كاملًا من المباراة، فيظل نظريًا أكثر منه عمليًا، لغياب الأركان الإجرائية الكاملة وعدم إعلان الحكم نهاية اللقاء في حينه.
بعيدًا عن المغرب والسنغال، يطرح هذا النهائي سؤالًا أعمق على كرة القدم الإفريقية: كيف ندير لحظات الانفجار دون التضحية بالقانون؟ الجواب ليس في القمع ولا في التساهل، بل في تطبيق قواعد اللعبة عندما تكون كلفة تطبيقها عالية.
كرة القدم تتحمل الخطأ التحكيمي، تحتمل الغضب، وتستوعب الإحباط. لكنها لا تستطيع قبول تعطيل اللعب كوسيلة تفاوض. عند تلك اللحظة، لا تكون النتيجة وحدها على المحك، بل مصداقية المنافسة نفسها.
المرجع
تقرير قانوني مبدئي صادر عن المركز المتوسطي للدراسات والبحوث في القانون الرياضي (CMEDS) حول نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال، 18 يناير 2026.