بقلم : عدنان بنشقرون
ليست ثورة صاخبة أو تغييراً استعراضياً، وربما في ذلك تكمن أهميتها : إنها محاولة هادئة لإعادة بناء طريقة التفكير في العمل الاجتماعي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في موقفها الأخير من ظاهرة التسول. حين دعت المواطنين إلى التوقف عن منح المال في الشارع، كانت تدرك أنها تقترب من موضوع شديد الحساسية في مجتمع يُعتبر فيه العطاء قيمة دينية وعادة اجتماعية متجذرة، فضلاً عن كونه استجابة إنسانية فورية لمعاناة الآخرين.
لكن الوزيرة لم تكن تدعو إلى التخلي عن روح التضامن، بل كانت تطرح سؤالاً أكثر عمقاً وإزعاجاً: ماذا تموّل فعلاً تلك القطعة النقدية التي تُمنح في الطريق؟ هل تساعد شخصاً محتاجاً بشكل مؤقت؟ أم أنها أحياناً تُغذي شبكات استغلال، يتحول فيها الأطفال والمسنون والنساء الهشّات إلى أدوات داخل اقتصاد يقوم على البؤس؟
وهنا يكمن جوهر الفكرة. فهي لا تقول للناس: «توقفوا عن العطاء»، بل تقول بطريقة غير مباشرة: «ساعدوا بشكل أكثر نجاعة». ادعموا المؤسسات القادرة على الحماية والإيواء والعلاج وإعادة الإدماج، وبلّغوا عن حالات الاستغلال، وساهموا في تفكيك هذه الدوائر بدل دعمها دون قصد.
إنها فكرة جريئة سياسياً، لأنها تصطدم بعادة راسخة، لكنها في المقابل تفتح نقاشاً ضرورياً: هل ينبغي أن يظل التضامن مجرد انفعال عاطفي عابر، أم يجب أن يتحول إلى عمل جماعي منظم قادر على إعادة بناء حياة الأشخاص الأكثر هشاشة؟
الأرقام التي قدمتها الوزارة مؤخراً تكشف حجم التحديات. ففي سنة 2025 استقبلت مراكز المساعدة الاجتماعية أكثر من 362 ألف مستفيد، بينما واكبت مراكز التوجيه والمساعدة الاجتماعية أكثر من 208 آلاف شخص. كما توجد عشرات المؤسسات المخصصة لحماية الأطفال، ومواكبة النساء، واستقبال الأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً اجتماعية قاسية.
لكن هذه الأرقام ليست مجرد معطيات إدارية باردة، بل تعكس قصصاً إنسانية مؤلمة: أسرة بلا دخل قار، امرأة معزولة، طفل منقطع عن الدراسة، مسن متروك، أو شاب لم يعد يجد باباً يلجأ إليه.
وما يميز خطاب نعيمة بن يحيى أنها لا تكتفي بالحديث عن المراكز الاجتماعية، بل تسعى إلى تغيير فلسفة التدخل نفسها. فالوزارة أعلنت عن اقتناء أربعين وحدة متنقلة للمساعدة الاجتماعية، والفكرة هنا بسيطة لكنها عميقة: عدم انتظار الفئات الهشة حتى تطلب المساعدة، بل الذهاب إليها حيث توجد.
ربما هذا هو المفتاح الحقيقي في رؤيتها : سياسة «الذهاب نحو الناس».
فالأشخاص الأكثر هشاشة هم غالباً أولئك الذين لا يطلبون شيئاً؛ إما جهلاً بحقوقهم، أو خوفاً، أو خجلاً، أو بسبب العزلة، أو ببساطة لأنهم لا يملكون وسيلة نقل أو هاتفاً أو حتى شخصاً يمكن التوجه إليه. والسياسة الاجتماعية التي تظل حبيسة المكاتب والإدارات لا تصل إلا إلى من يعرفون أصلاً كيف يطرقون الأبواب، أما البقية فيظلون خارج دائرة الاهتمام.
المنطق نفسه يظهر أيضاً في رؤيتها لقضايا الأسرة والزواج. فهي ترفض اختزال المشكلة في تقديم منحة مالية أو دعم ظرفي للشباب المقبل على الزواج، وكأن أزمات السكن والعمل والنضج والتواصل يمكن حلها بمساعدة مالية مؤقتة.
بدلاً من ذلك، تقترح مواكبة وتأهيلاً للحياة الزوجية قبل الزواج. وقد يبدو الأمر غريباً للبعض، لكنه في الحقيقة منطقي: فنحن نستعد للوظائف، ونجتاز التكوينات، ونتعلم قيادة السيارات، لكننا ندخل مؤسسة الزواج، بكل ما تحمله من مسؤوليات وتعقيدات، دون أي إعداد حقيقي للحوار، أو تدبير الميزانية، أو فهم الحقوق والواجبات، أو التعامل مع الخلافات وضغوط الحياة اليومية.
وهنا أيضاً يظهر المبدأ نفسه : الوقاية قبل محاولة إصلاح الأضرار.
طبعاً، لن يمنع التكوين حالات الطلاق، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للوعظ أو لإدانة من يختارون الانفصال، فالطلاق قد يكون أحياناً حماية أو قراراً مسؤولاً. لكن إعداد الأزواج بشكل أفضل قد يساعد على مواجهة التحولات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية التي أصبحت تثقل كاهل الأسر.
كما يبدو أن الوزيرة تسعى إلى جعل «اقتصاد الرعاية» ورشاً سياسياً حقيقياً. فالعناية بالأطفال، ومرافقة المسنين، والتكفل بالأشخاص في وضعية إعاقة، ودعم النساء في الظروف الصعبة، كلها مهام ظلت تُنجز في الظل، وغالباً على أكتاف النساء، دون اعتراف أو دعم مؤسساتي كافٍ.
ومن هنا تأتي مشاريع الحضانات الاجتماعية قرب المناطق الصناعية، وخدمات الرعاية في العالم القروي، وتكوين العاملين الاجتماعيين، وتقوية الفضاءات المخصصة للنساء.
في العمق، هذه ليست مجرد سياسة خاصة بالأسرة، بل رؤية أوسع للمجتمع. لأن الحديث عن الأسرة دون الحديث عن السكن، والشغل، والتنقل، والعنف، والصحة النفسية، والاستقلال الاقتصادي للنساء، يجعل أي خطاب حول الأسرة مجرد شعار فارغ.
ويبدو أن نعيمة بن يحيى تحاول تفادي هذا الفخ.
ومع ذلك، يبقى السؤال الحاسم دائماً : هل سترافق هذه الرؤية إمكانيات حقيقية؟ هل تتوفر المراكز الاجتماعية على الموارد البشرية الكافية؟ وهل تتم مواكبة الجمعيات الشريكة بالشكل المطلوب؟ وهل ستصل الوحدات المتنقلة فعلاً إلى الفئات المهمشة؟ وهل ستكون برامج التأهيل للزواج مفيدة ومنفتحة بعيداً عن البيروقراطية؟ وهل ستُقام الحضانات الاجتماعية في الأماكن التي تحتاجها فعلاً؟
هنا بالتحديد سيتم تقييم نجاح هذه السياسة.
لكن ما أصبح واضحاً منذ الآن هو أن هذه الوزيرة الهادئة ليست بلا ملامح أو قناعات. فهي تحمل تصوراً واضحاً: التضامن لا ينبغي أن يبقى مجرد صدقة عابرة، بل يجب أن يتحول إلى سياسة عمومية منظمة، تحمي الناس دون أن تُهينهم، وترافقهم دون أن تُقيدهم، وتتدخل قبل أن تتحول الأزمات إلى مآسٍ يصعب إصلاحها.
وفي بلد يتمتع بروح تضامن قوية، لكنه لا يزال يواجه أشكالاً عميقة من الإقصاء والهشاشة، فإن هذا التوجه يستحق المتابعة والاهتمام