بقلم : عائشة بوسكين
يظهر الطرح الذي قدمه نزار بركة أن شبكة التوزيع تحولت تدريجياً من آلية لتنظيم تدفق السلع إلى فضاء تتضخم داخله هوامش الربح بشكل غير متناسب مع القيمة المضافة الحقيقية. فبدل أن يؤدي الوسطاء دوراً تقنياً يضمن توازن العرض والطلب، أصبحت بعض الحلقات تمارس وظيفة تضخيم الأسعار عبر تعدد مستويات إعادة البيع، ما يؤدي إلى انفصال واضح بين كلفة الإنتاج والسعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
هذا الوضع لا يخلق فقط خللاً اقتصادياً، بل يعيد إنتاج الفوارق داخل السوق نفسها، حيث يصبح الفلاح في موقع ضعيف لا يستفيد من القيمة الحقيقية لمنتوجه، بينما يتحمل المستهلك عبء أسعار مرتفعة لا تعكس الواقع الإنتاجي. وبين هذين الطرفين، تتوسع مساحة الأرباح الوسيطة، بما يعزز الإحساس العام بغياب العدالة في توزيع القيمة داخل السلسلة الاقتصادية
هشاشة سلاسل التوزيع وضغط كلفة الإنتاج على الفلاح
إلى جانب إشكالية الوساطة، يسلّط هذا التحليل الضوء على هشاشة البنية التجارية التي تنظم حركة المنتجات الفلاحية، حيث لا تمر نسبة مهمة من السلع عبر قنوات منظمة وشفافة، بل عبر مسارات غير مهيكلة تفتقر إلى الرقابة الفعلية. هذا الوضع يضعف قدرة الدولة على تتبع تشكل الأسعار، ويجعل السوق عرضة لتقلبات غير مبررة تغذيها المضاربة وغياب المعايير الموحدة.
في المقابل، يواجه الفلاح المغربي ارتفاعاً متواصلاً في كلفة الإنتاج المرتبطة بالأسمدة والطاقة والبذور والنقل، ما يقلص هامش ربحه بشكل كبير ويدفعه في كثير من الأحيان إلى بيع محصوله في ظروف غير متكافئة. هذه الوضعية تجعل الحلقة الأولى من الإنتاج الحلقة الأضعف داخل سلسلة طويلة، في حين تتحول الكلفة المرتفعة في المراحل الأخيرة إلى عبء مباشر على المستهلك النهائي
الدولة كفاعل ضابط وإعادة هندسة مسارات السوق
لمواجهة هذا الاختلال، يطرح التصور الذي يدافع عنه نزار بركة فكرة إعادة تموقع الدولة داخل المنظومة الاقتصادية، ليس كفاعل يحدد الأسعار بشكل مباشر، بل كمنظم يعيد ضبط قواعد الاشتغال داخل السوق. الهدف هنا هو الانتقال من منطق ترك السوق يعمل بشكل تلقائي إلى منطق تنظيم ذكي يحد من الاختلالات البنيوية دون المساس بمبدأ المنافسة.
ويقوم هذا التوجه على فكرة إعادة هندسة مسارات التوزيع عبر آليات مؤسساتية حديثة، من شأنها تقليص النفوذ غير المنتج للوسطاء وإعادة ربط الفلاح بالمستهلك عبر قنوات أكثر شفافية. كما يندرج ضمن هذا التصور تطوير البنية اللوجستية وسلاسل التبريد والتخزين، بما يسمح بتقليص الفاقد الفلاحي وتخفيف الضغط الموسمي على الأسعار
القدرة الشرائية كمؤشر لاختلال التوازن الاجتماعي
من زاوية أعمق، لا تبدو القدرة الشرائية مجرد مؤشر اقتصادي تقني، بل تعبيراً عن توازن اجتماعي هش يتعرض لضغط متزايد. فارتفاع نسبة الإنفاق على الغذاء داخل ميزانيات الأسر، وتراجع القدرة على الادخار، يعكسان تحولاً تدريجياً في نمط العيش يضع الطبقة المتوسطة والفئات الهشة في موقع أكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية.
ومن هذا المنظور، تصبح أزمة الأسعار مرآة لاختلالات أوسع تمس توزيع الثروة داخل المجتمع، وليس فقط دينامية العرض والطلب. وهو ما يجعل النقاش حول القدرة الشرائية نقاشاً يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى أسئلة العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي
بين منطق السوق ومنطق التنظيم : معادلة قيد التشكل
إجمالا، يضع هذا النقاش النموذج الاقتصادي المغربي أمام مفترق طرق بين استمرار منطق السوق المفتوحة دون ضوابط كافية، وبين تبني مقاربة تنظيمية أكثر توازناً تضمن حماية الفاعلين الضعفاء داخل السلسلة الاقتصادية. وبين هذين الخيارين، يتمحور الرهان حول بناء سوق قادرة على خلق الثروة دون إعادة إنتاج الاختلالات نفسها.
وبهذا المعنى، يمكننا قراءة الخطاب الاقتصادي المرتبط بنزار بركة ليس كخطاب ظرفي، بل كمحاولة لإعادة تعريف دور الدولة داخل الاقتصاد، وإعادة طرح سؤال العدالة في قلب النقاش حول النمو والتنمية.