بقلم عدنان بنشقرون
فِي سَنَةِ 1637، وَضَعَ رينيه ديكارت أَحَدَ الأُسُسِ الكُبْرَى لِلْحَدَاثَةِ الغَرْبِيَّةِ بِقَوْلِهِ الشَّهِير: « كوجيتو، إِرغو سُم »؛
أُفَكِّرُ، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ.
كَانَ الوُجُودُ، فِي هَذَا التَّصَوُّرِ، مَرْهُونًا بِالجُهْدِ الدَّاخِلِيِّ، وَالشَّكِّ المُنَهْجِيِّ، وَبِالفِكْرِ بَوَصْفِهِ أَسْمَى أَفْعَالِ الذَّاتِ. بَعْدَ أَرْبَعَةِ قُرُونٍ، وَمِنْ دُونِ بَيَانٍ تَأْسِيسِيٍّ أَوْ قَطِيعَةٍ صَاخِبَةٍ، فَرَضَتْ صِيغَةٌ أُخْرَى نَفْسَهَا فِي المُمَارَسَاتِ اليَوْمِيَّةِ: أَتَصَفَّحُ هَاتِفِي، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ.
أَنْ تَكُونَ مَوْجُودًا اليَوْمَ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ مَرْئِيًّا، سَرِيعَ الِاسْتِجَابَةِ، مُتَّصِلًا دَائِمًا، وَمُحْصًى بِالأَرْقَامِ. لَا أَنْ تُفَكِّرَ طَوِيلًا، بَلْ أَنْ تَتَنَقَّلَ بِلَا تَوَقُّفٍ فِي تَدَفُّقٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
لَيْسَ الأَمْرُ مُجَرَّدَ اِسْتِعَارَةٍ جِيلِيَّةٍ أَوْ تَبْسِيطٍ بَلَاغِيّ. إِنَّهُ تَحَوُّلٌ فِي النِّظَامِ المَعْرِفِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، بَلْ وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُدْرِكُ بِهَا أَنْفُسَنَا وَالعَالَمَ.
فِعْلُ التَّصَفُّحِ عَلَى الهَاتِفِ الذَّكِيِّ لَيْسَ فِعْلًا بَرِيئًا. هُوَ حَرَكَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، شِبْهُ اِنْعِكَاسِيَّةٍ، لَا تَعْرِفُ نُقْطَةَ نِهَايَةٍ. لَا تَبْحَثُ عَنْ خَاتِمَةٍ وَلَا عَنْ مَعْنًى مُتَكَامِلٍ، بَلْ عَنْ مُثِيرٍ تَالٍ. حَيْثُ كَانَتِ القِرَاءَةُ التَّقْلِيدِيَّةُ تَفْرِضُ تَدَرُّجًا، وَتَرَاتُبًا، وَقَدْرًا مِنَ الصَّبْرِ، يُفَضِّلُ التَّدَفُّقُ الرَّقْمِيُّ السُّرْعَةَ، وَالتَّجَاوُرَ، وَالعَاطِفَةَ المُجَرَّدَةَ. لَمْ يَعُدِ الدِّمَاغُ مَدْعُوًّا لِبِنَاءِ فِكْرَةٍ، بَلْ لِلِاسْتِجَابَةِ الفَوْرِيَّةِ. وَهَذَا فَارِقٌ حَاسِمٌ.
تُؤَكِّدُ أَبْحَاثُ عُلُومِ الأَعْصَابِ أَنَّ التَّعَرُّضَ المُطَوَّلَ لِشَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ يُعِيدُ تَشْكِيلَ وَظَائِفِ القِشْرَةِ الجَبْهِيَّةِ، وَهِيَ المَنْطِقَةُ المَسْؤُولَةُ عَنِ التَّرْكِيزِ، وَالتَّمْيِيزِ، وَالمَسَافَةِ النَّقْدِيَّةِ. لَا نَحْنُ أَمَامَ دَمَارٍ عُضْوِيٍّ، وَلَا أَمَامَ سِينِمَا كَارِثِيَّةٍ، بَلْ أَمَامَ تَكَيُّفٍ صَامِتٍ. يَتَعَلَّمُ الدِّمَاغُ تَفْضِيلَ الفَوْرِيِّ عَلَى المُعَقَّدِ، وَالثُّنَائِيِّ عَلَى المُتَدَرِّجِ، وَالعَاطِفِيِّ عَلَى العَقْلَانِيِّ. يُصْبِحُ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً فِي القَصِيرِ، وَأَكْثَرَ هَشَاشَةً فِي الطَّوِيلِ.
وَلِهَذَا التَّحَوُّلِ المَعْرِفِيِّ اِنْعِكَاسُهُ الثَّقَافِيُّ الوَاضِحُ.
أَيُّ ثَقَافَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَنْبَثِقَ مِنْ فَضَاءٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُسْتَهْلَكَ كُلُّ شَيْءٍ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ؟ حَيْثُ تَحُلُّ السُّخْرِيَةُ مَحَلَّ الحُجَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ الغَضَبُ إِلَى بَدِيلٍ عَنِ التَّفْكِيرِ، وَتُصْبِحُ القَابِلِيَّةُ لِلِانْتِشَارِ المِعْيَارَ الأَوَّلَ لِلْقِيمَةِ؟
إِنَّهَا ثَقَافَةُ التَّصَفُّحِ: ثَقَافَةُ الشَّذَرَاتِ. تُنْتِجُ آراءً سَرِيعَةً، وَلَكِنَّهَا نَادِرًا مَا تَكُونُ عَمِيقَةً. تُنْتِجُ يَقِينَاتٍ صَلْبَةَ اللُّغَةِ، ضَعِيفَةَ الأُسُسِ.
أَمَّا الرُّوحُ النَّقْدِيَّةُ، فَهِيَ لَا تَخْتَفِي، وَلَكِنَّهَا تَتَغَيَّرُ. تَتَحَوَّلُ مِنْ مُمَارَسَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ إِلَى رَدِّ فِعْلٍ فَوْرِيّ. نَنْتَقِدُ بِالمُشَارَكَةِ، وَبِالسُّخْرِيَةِ، وَبِالتَّبْلِيغِ، وَبِالإِدَانَةِ، وَلَكِنَّنَا نُحَلِّلُ أَقَلَّ. لَا تُشَجِّعُ الخَوَارِزْمِيَّاتُ البُطْءَ وَلَا التَّعْقِيدَ، بَلْ تُكَافِئُ مَا يَجْذِبُ الاِنْتِبَاهَ: مَا يُصْدِمُ، أَوْ يُقَسِّمُ، أَوْ يُطَمْئِنُ عَلَى نَحْوٍ سَرِيعٍ. العَاطِفَةُ لَيْسَتْ نَتِيجَةً جَانِبِيَّةً لِهَذَا النِّظَامِ، بَلْ هِيَ قَلْبُهُ النَّابِضُ.
هُنَا تُطْرَحُ مَسْأَلَةُ الرَّأْيِ العَامِّ بِحِدَّةٍ. فِي المَاضِي، كَانَ يَتَشَكَّلُ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ: صِحَافَةٌ، نِقَاشٌ، تَرَاكُمُ أَفْكَارٍ. اليَوْمَ، يُصْنَعُ فِي تَدَفُّقٍ مُتَسَارِعٍ. هُوَ مُتَقَلِّبٌ، مُسْتَقْطَبٌ، وَقَابِلٌ لِلتَّغَيُّرِ السَّرِيعِ. قَدْ يُدَافِعُ الشَّخْصُ نَفْسُهُ عَنْ رَأْيٍ صَبَاحًا، وَعَنْ نَقِيضِهِ مَسَاءً، دُونَ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ تَنَاقُضًا. فَالتَّصَفُّحُ لَا يَبْنِي ذَاكِرَةً طَوِيلَةَ الأَمَدِ، بَلْ يُغَذِّي رَدَّ الفِعْلِ القَصِيرَ.
هَلْ يَجِبُ أَنْ نَقْلَقَ؟ نَعَمْ، فِكْرِيًّا.
وَهَلْ يَجِبُ أَنْ نُدِينَ أَخْلَاقِيًّا؟ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ.
فَإِدَانَةُ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ لَنْ تَكُونَ حَلًّا. فَهِيَ لَا تَمْثِلُ مُؤَامَرَةً وَلَا مَرْحَلَةً عَابِرَةً، بَلْ وَسَطًا جَدِيدًا لِلْوُجُودِ. كَمَا كَانَتِ الطِّبَاعَةُ فِي زَمَانِهَا، وَكَمَا كَانَ التِّلْفَازُ فِي عَصْرِهِ. لَمْ يُلْغِ أَيُّ وَسِيطٍ الفِكْرَ، بَلْ أَعَادَ تَشْكِيلَهُ.
السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ هُوَ: كَيْفَ نُفَكِّرُ مَعَ التَّصَفُّحِ، لَا ضِدَّهُ؟
فَالْمُسْتَقْبَلُ لَنْ يَكُونَ عَوْدَةً حَنِينَةً إِلَى دِيكَارْت، بَلْ سَيَكُونُ أَكْثَرَ خَوَارِزْمِيَّةً، وَأَكْثَرَ اِنْدِمَاجًا مَعَ الذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ. غَدًا، لَنْ نَقُولَ فَقَطْ « أَتَصَفَّحُ »، بَلْ « يُقْتَرَحُ عَلَيَّ »، « يُلَخَّصُ لِي »، « تُؤَدَّى عَنِّي بَعْضُ المَهَامِّ الذِّهْنِيَّةِ ». لَنْ يُلْغِيَ الذَّكَاءُ الاِصْطِنَاعِيُّ الإِشْكَالَ، بَلْ سَيُضَخِّمُهُ.
وَهَذَا يَفْرِضُ مَسْؤُولِيَّةً جَدِيدَةً: لَا رَفْضَ الأَدَوَاتِ، بَلْ إِعَادَةَ تَرْبِيَةِ الاِنْتِبَاهِ، وَإِعَادَةَ الاِعْتِبَارِ لِلْبُطْءِ، وَلِلتَّعْقِيدِ، وَلِلتَّنَاقُضِ الخَلَّاقِ. أَنْ نَقْرَأَ طَوِيلًا. أَنْ نُصْغِيَ دُونَ مُقَاطَعَةٍ. أَنْ نَشُكَّ دُونَ ذُعْرٍ. وَأَنْ نَفْهَمَ الآلِيَّاتِ الخَوَارِزْمِيَّةَ دُونَ السُّقُوطِ فِي الوَهَمِ.
الاِنْتِقَالُ مِنْ « أُفَكِّرُ » إِلَى « أَتَصَفَّحُ هَاتِفِي » لَيْسَ اِنْحِطَاطًا أَخْلَاقِيًّا، بَلْ اِنْزِيَاحٌ فِي مَكَانِ الفِكْرِ. لَمْ يَخْتَفِ الفِكْرُ، وَلَكِنَّهُ اِنْتَقَلَ إِلَى بِيئَةٍ تُجَرِّبُهُ، وَتُجَزِّئُهُ، وَأَحْيَانًا تُفْقِرُهُ. وَيَبْقَى الاِخْتِيَارُ لَنَا: أَنْ نَكُونَ مُجَرَّدَ أَسْطُحٍ لِرُدُودِ الفِعْلِ، أَوْ عُقُولًا قَادِرَةً عَلَى اِسْتِعَادَةِ الزِّمَامِ.
كَانَ دِيكَارْت يَكْتُبُ لِيُؤَسِّسَ مَنْهَجًا. وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ عَصْرُنَا إِلَى « كُوجِيتُو » جَدِيدٍ، بَلْ إِلَى مَبْدَإٍ لَا يَقِلُّ صَرَامَةً:
أَلَّا نَخْلِطَ بَيْنَ أَنْ نَكُونَ مُتَّصِلِينَ دَائِمًا، وَأَنْ نَكُونَ وَاعِينَ حَقًّا.
هُنَا، فِي هَذَا المَوْضِعِ الصَّامِتِ، سَتُحْسَمُ جَوْدَةُ ثَقَافَتِنَا، وَمُسْتَقْبَلُ رُوحِنَا النَّقْدِيَّةِ، وَمَصِيرُ دِيمُقْرَاطِيَّتِنَا المَعْرِفِيَّةِ.
أُفَكِّرُ، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ.
كَانَ الوُجُودُ، فِي هَذَا التَّصَوُّرِ، مَرْهُونًا بِالجُهْدِ الدَّاخِلِيِّ، وَالشَّكِّ المُنَهْجِيِّ، وَبِالفِكْرِ بَوَصْفِهِ أَسْمَى أَفْعَالِ الذَّاتِ. بَعْدَ أَرْبَعَةِ قُرُونٍ، وَمِنْ دُونِ بَيَانٍ تَأْسِيسِيٍّ أَوْ قَطِيعَةٍ صَاخِبَةٍ، فَرَضَتْ صِيغَةٌ أُخْرَى نَفْسَهَا فِي المُمَارَسَاتِ اليَوْمِيَّةِ: أَتَصَفَّحُ هَاتِفِي، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ.
أَنْ تَكُونَ مَوْجُودًا اليَوْمَ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ مَرْئِيًّا، سَرِيعَ الِاسْتِجَابَةِ، مُتَّصِلًا دَائِمًا، وَمُحْصًى بِالأَرْقَامِ. لَا أَنْ تُفَكِّرَ طَوِيلًا، بَلْ أَنْ تَتَنَقَّلَ بِلَا تَوَقُّفٍ فِي تَدَفُّقٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
لَيْسَ الأَمْرُ مُجَرَّدَ اِسْتِعَارَةٍ جِيلِيَّةٍ أَوْ تَبْسِيطٍ بَلَاغِيّ. إِنَّهُ تَحَوُّلٌ فِي النِّظَامِ المَعْرِفِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، بَلْ وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُدْرِكُ بِهَا أَنْفُسَنَا وَالعَالَمَ.
فِعْلُ التَّصَفُّحِ عَلَى الهَاتِفِ الذَّكِيِّ لَيْسَ فِعْلًا بَرِيئًا. هُوَ حَرَكَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، شِبْهُ اِنْعِكَاسِيَّةٍ، لَا تَعْرِفُ نُقْطَةَ نِهَايَةٍ. لَا تَبْحَثُ عَنْ خَاتِمَةٍ وَلَا عَنْ مَعْنًى مُتَكَامِلٍ، بَلْ عَنْ مُثِيرٍ تَالٍ. حَيْثُ كَانَتِ القِرَاءَةُ التَّقْلِيدِيَّةُ تَفْرِضُ تَدَرُّجًا، وَتَرَاتُبًا، وَقَدْرًا مِنَ الصَّبْرِ، يُفَضِّلُ التَّدَفُّقُ الرَّقْمِيُّ السُّرْعَةَ، وَالتَّجَاوُرَ، وَالعَاطِفَةَ المُجَرَّدَةَ. لَمْ يَعُدِ الدِّمَاغُ مَدْعُوًّا لِبِنَاءِ فِكْرَةٍ، بَلْ لِلِاسْتِجَابَةِ الفَوْرِيَّةِ. وَهَذَا فَارِقٌ حَاسِمٌ.
تُؤَكِّدُ أَبْحَاثُ عُلُومِ الأَعْصَابِ أَنَّ التَّعَرُّضَ المُطَوَّلَ لِشَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ يُعِيدُ تَشْكِيلَ وَظَائِفِ القِشْرَةِ الجَبْهِيَّةِ، وَهِيَ المَنْطِقَةُ المَسْؤُولَةُ عَنِ التَّرْكِيزِ، وَالتَّمْيِيزِ، وَالمَسَافَةِ النَّقْدِيَّةِ. لَا نَحْنُ أَمَامَ دَمَارٍ عُضْوِيٍّ، وَلَا أَمَامَ سِينِمَا كَارِثِيَّةٍ، بَلْ أَمَامَ تَكَيُّفٍ صَامِتٍ. يَتَعَلَّمُ الدِّمَاغُ تَفْضِيلَ الفَوْرِيِّ عَلَى المُعَقَّدِ، وَالثُّنَائِيِّ عَلَى المُتَدَرِّجِ، وَالعَاطِفِيِّ عَلَى العَقْلَانِيِّ. يُصْبِحُ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً فِي القَصِيرِ، وَأَكْثَرَ هَشَاشَةً فِي الطَّوِيلِ.
وَلِهَذَا التَّحَوُّلِ المَعْرِفِيِّ اِنْعِكَاسُهُ الثَّقَافِيُّ الوَاضِحُ.
أَيُّ ثَقَافَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَنْبَثِقَ مِنْ فَضَاءٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُسْتَهْلَكَ كُلُّ شَيْءٍ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ؟ حَيْثُ تَحُلُّ السُّخْرِيَةُ مَحَلَّ الحُجَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ الغَضَبُ إِلَى بَدِيلٍ عَنِ التَّفْكِيرِ، وَتُصْبِحُ القَابِلِيَّةُ لِلِانْتِشَارِ المِعْيَارَ الأَوَّلَ لِلْقِيمَةِ؟
إِنَّهَا ثَقَافَةُ التَّصَفُّحِ: ثَقَافَةُ الشَّذَرَاتِ. تُنْتِجُ آراءً سَرِيعَةً، وَلَكِنَّهَا نَادِرًا مَا تَكُونُ عَمِيقَةً. تُنْتِجُ يَقِينَاتٍ صَلْبَةَ اللُّغَةِ، ضَعِيفَةَ الأُسُسِ.
أَمَّا الرُّوحُ النَّقْدِيَّةُ، فَهِيَ لَا تَخْتَفِي، وَلَكِنَّهَا تَتَغَيَّرُ. تَتَحَوَّلُ مِنْ مُمَارَسَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ إِلَى رَدِّ فِعْلٍ فَوْرِيّ. نَنْتَقِدُ بِالمُشَارَكَةِ، وَبِالسُّخْرِيَةِ، وَبِالتَّبْلِيغِ، وَبِالإِدَانَةِ، وَلَكِنَّنَا نُحَلِّلُ أَقَلَّ. لَا تُشَجِّعُ الخَوَارِزْمِيَّاتُ البُطْءَ وَلَا التَّعْقِيدَ، بَلْ تُكَافِئُ مَا يَجْذِبُ الاِنْتِبَاهَ: مَا يُصْدِمُ، أَوْ يُقَسِّمُ، أَوْ يُطَمْئِنُ عَلَى نَحْوٍ سَرِيعٍ. العَاطِفَةُ لَيْسَتْ نَتِيجَةً جَانِبِيَّةً لِهَذَا النِّظَامِ، بَلْ هِيَ قَلْبُهُ النَّابِضُ.
هُنَا تُطْرَحُ مَسْأَلَةُ الرَّأْيِ العَامِّ بِحِدَّةٍ. فِي المَاضِي، كَانَ يَتَشَكَّلُ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ: صِحَافَةٌ، نِقَاشٌ، تَرَاكُمُ أَفْكَارٍ. اليَوْمَ، يُصْنَعُ فِي تَدَفُّقٍ مُتَسَارِعٍ. هُوَ مُتَقَلِّبٌ، مُسْتَقْطَبٌ، وَقَابِلٌ لِلتَّغَيُّرِ السَّرِيعِ. قَدْ يُدَافِعُ الشَّخْصُ نَفْسُهُ عَنْ رَأْيٍ صَبَاحًا، وَعَنْ نَقِيضِهِ مَسَاءً، دُونَ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ تَنَاقُضًا. فَالتَّصَفُّحُ لَا يَبْنِي ذَاكِرَةً طَوِيلَةَ الأَمَدِ، بَلْ يُغَذِّي رَدَّ الفِعْلِ القَصِيرَ.
هَلْ يَجِبُ أَنْ نَقْلَقَ؟ نَعَمْ، فِكْرِيًّا.
وَهَلْ يَجِبُ أَنْ نُدِينَ أَخْلَاقِيًّا؟ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ.
فَإِدَانَةُ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ لَنْ تَكُونَ حَلًّا. فَهِيَ لَا تَمْثِلُ مُؤَامَرَةً وَلَا مَرْحَلَةً عَابِرَةً، بَلْ وَسَطًا جَدِيدًا لِلْوُجُودِ. كَمَا كَانَتِ الطِّبَاعَةُ فِي زَمَانِهَا، وَكَمَا كَانَ التِّلْفَازُ فِي عَصْرِهِ. لَمْ يُلْغِ أَيُّ وَسِيطٍ الفِكْرَ، بَلْ أَعَادَ تَشْكِيلَهُ.
السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ هُوَ: كَيْفَ نُفَكِّرُ مَعَ التَّصَفُّحِ، لَا ضِدَّهُ؟
فَالْمُسْتَقْبَلُ لَنْ يَكُونَ عَوْدَةً حَنِينَةً إِلَى دِيكَارْت، بَلْ سَيَكُونُ أَكْثَرَ خَوَارِزْمِيَّةً، وَأَكْثَرَ اِنْدِمَاجًا مَعَ الذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ. غَدًا، لَنْ نَقُولَ فَقَطْ « أَتَصَفَّحُ »، بَلْ « يُقْتَرَحُ عَلَيَّ »، « يُلَخَّصُ لِي »، « تُؤَدَّى عَنِّي بَعْضُ المَهَامِّ الذِّهْنِيَّةِ ». لَنْ يُلْغِيَ الذَّكَاءُ الاِصْطِنَاعِيُّ الإِشْكَالَ، بَلْ سَيُضَخِّمُهُ.
وَهَذَا يَفْرِضُ مَسْؤُولِيَّةً جَدِيدَةً: لَا رَفْضَ الأَدَوَاتِ، بَلْ إِعَادَةَ تَرْبِيَةِ الاِنْتِبَاهِ، وَإِعَادَةَ الاِعْتِبَارِ لِلْبُطْءِ، وَلِلتَّعْقِيدِ، وَلِلتَّنَاقُضِ الخَلَّاقِ. أَنْ نَقْرَأَ طَوِيلًا. أَنْ نُصْغِيَ دُونَ مُقَاطَعَةٍ. أَنْ نَشُكَّ دُونَ ذُعْرٍ. وَأَنْ نَفْهَمَ الآلِيَّاتِ الخَوَارِزْمِيَّةَ دُونَ السُّقُوطِ فِي الوَهَمِ.
الاِنْتِقَالُ مِنْ « أُفَكِّرُ » إِلَى « أَتَصَفَّحُ هَاتِفِي » لَيْسَ اِنْحِطَاطًا أَخْلَاقِيًّا، بَلْ اِنْزِيَاحٌ فِي مَكَانِ الفِكْرِ. لَمْ يَخْتَفِ الفِكْرُ، وَلَكِنَّهُ اِنْتَقَلَ إِلَى بِيئَةٍ تُجَرِّبُهُ، وَتُجَزِّئُهُ، وَأَحْيَانًا تُفْقِرُهُ. وَيَبْقَى الاِخْتِيَارُ لَنَا: أَنْ نَكُونَ مُجَرَّدَ أَسْطُحٍ لِرُدُودِ الفِعْلِ، أَوْ عُقُولًا قَادِرَةً عَلَى اِسْتِعَادَةِ الزِّمَامِ.
كَانَ دِيكَارْت يَكْتُبُ لِيُؤَسِّسَ مَنْهَجًا. وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ عَصْرُنَا إِلَى « كُوجِيتُو » جَدِيدٍ، بَلْ إِلَى مَبْدَإٍ لَا يَقِلُّ صَرَامَةً:
أَلَّا نَخْلِطَ بَيْنَ أَنْ نَكُونَ مُتَّصِلِينَ دَائِمًا، وَأَنْ نَكُونَ وَاعِينَ حَقًّا.
هُنَا، فِي هَذَا المَوْضِعِ الصَّامِتِ، سَتُحْسَمُ جَوْدَةُ ثَقَافَتِنَا، وَمُسْتَقْبَلُ رُوحِنَا النَّقْدِيَّةِ، وَمَصِيرُ دِيمُقْرَاطِيَّتِنَا المَعْرِفِيَّةِ.