بقلم : عدنان بنشقرون
ومع ذلك، ينبغي توخي الحذر في استخلاص النتائج. فميسي لم يعلن مباشرة اعتزاله اللعب الدولي عقب المباراة، وبقي مستقبله مع المنتخب الأرجنتيني غامضاً في اليوم التالي للنهائي. لكن سواء ارتدى القميص الأرجنتيني مجدداً أم لا، فإن تلك الليلة تبدو وكأنها الإغلاق الرمزي لعصره العالمي.
عصر امتد لما يقارب عشرين عاماً، كانت كل بطولة خلاله تُقدَّم باعتبارها فصلاً جديداً في رحلته الشخصية. في البداية، كان مطالباً بإثبات أنه الوريث الحقيقي لدييغو مارادونا، ثم بإظهار قدرته على التألق مع المنتخب كما فعل مع برشلونة، وبعدها كان عليه الفوز بلقب كبير. ومع تتويجه بكوبا أمريكا ثم كأس العالم 2022، لم يعد لديه ما يثبته لأحد.
ولا تنتقص خسارة نهائي 2026 من هذه المسيرة شيئاً، إنها تذكر فقط بأن كرة القدم تستعيد دائماً ما تمنحه لأعظم اللاعبين: الزمن، والانفجار البدني، والقدرة على تكرار الجهد، وذلك الحضور الذي كان يجعل صاحبه يظهر في كل أرجاء الملعب طوال تسعين دقيقة.
لم يكن ميسي سيئاً لأنه فقد عبقريته فجأة، بل لأنه وُوجه بخطة حرمت لعبه من شروط النجاح. فقد أغلقت إسبانيا المساحات التي اعتاد استقبال الكرة فيها، وقطعت خطوط التمرير نحوه، ومنعت الأرجنتين من إمداده بالكرة في ظروف تسمح له بصناعة الفارق.
لذلك سيكون من الخطأ تحويل هذه الهزيمة إلى محاكمة فردية.
فميسي لم يكن قادراً وحده على دفع المنتخب الإسباني إلى التراجع، وهو الذي فرض سيطرته على الكرة، وخط الوسط، ومساحات اللعب. ولم يكن باستطاعته أن يكون في الوقت نفسه صانع الألعاب الأول، والمبتكر الرئيسي، والمهاجم الحاسم. ففي سن التاسعة والثلاثين، كان يحتاج إلى منظومة جماعية توصله إلى الثلث الأخير من الملعب، بينما كانت الأرجنتين لا تزال تنتظر منه أن يقودها بنفسه.
وربما هنا تكمن النهاية الحقيقية لعصر ميسي: ليس في تراجع لاعب، بل في أفول نموذج كروي كان يقوم بالكامل حول عبقرية فرد واحد.
فلسنوات طويلة، كان امتلاك ميسي كفيلاً بإخفاء معظم عيوب أي فريق. كان الفريق قد يتعرض للضغط، لكنه يبقى خطيراً. وكانت الهجمة المغلقة تتحول إلى فرصة، والمباراة العادية تنقلب في لحظة إلهام.
أمام إسبانيا، لم يعد هذا اليقين قائماً، فـ"لا روخا" جسدت النموذج المعاكس تماماً. امتلكت لاعبين مميزين، لكن أحداً منهم لم يكن مطالباً بالقيام بكل شيء. رودري تولى تنظيم اللعب، والمدافعون تقدموا إلى الأمام، والأجنحة وسعت رقعة الملعب، ولاعبو الوسط شغلوا أنصاف المساحات، فيما دخل البدلاء لإكمال ما بدأه الأساسيون.
وسجل فيران توريس هدف التتويج بعد دخوله بديلاً، كما ساهم نيكو ويليامز، الذي دخل هو الآخر من دكة الاحتياط، في صناعة اللقطة الحاسمة. فازت إسبانيا بتكامل الأدوار، بينما ظلت الأرجنتين تنتظر المعجزة التي يصنعها رجل واحد.
وكان للمشهد أيضاً بعدٌ جيلي واضح. فمن جهة وقف ميسي، آخر الوجوه الباقية من العصر الذهبي الذي تشكل حوله وحول كريستيانو رونالدو. ومن الجهة الأخرى برز لامين يامال، ابن التاسعة عشرة، ممثلاً لجيل لم ينشأ في مواجهة ميسي، بل وهو يتعلم منه.
قد يكون من السهل وصف هذه المباراة بأنها تسليم للمشعل، غير أن هذه الصورة، رغم جاذبيتها، تبسط الواقع أكثر مما ينبغي. فلا أحد يصبح ميسي لأن ميسي يبتعد، ولا أحد يرث عبقريته كما يُورث شريط القيادة.
سيكون على لامين يامال أن يكتب حكايته الخاصة. وسيواجه الحماس نفسه، والمقارنات المبالغ فيها، والضغوط ذاتها. وفي التاسعة عشرة من عمره، أصبح بالفعل بطلاً للعالم، لكن المسيرة لا تختزل في بلوغ القمة مبكراً. وقد نقلت وكالة رويترز أن حي روكافوندا الذي نشأ فيه احتفل بتتويج إسبانيا، واعتبره رمزاً للنجاح وإثباتاً بأن الحلم ممكن.
أما ميسي، فلم يعد بحاجة إلى مطاردة أي مقارنة، لقد غيّر مفهوم المراوغة، والتمرير، وصناعة اللعب، وجعل ما كان استثنائياً يبدو أمراً عادياً. كما منح الأرجنتين اللقب العالمي الذي طال انتظاره، وأضاف النجمة الثالثة إلى قميصها عام 2022.
ولهذا، فإن هزيمة 2026 ليست مأساة، بل خاتمة إنسانية، فكل الأبطال الكبار يمرون في النهاية ببطولة زائدة، أو هزيمة أخيرة، أو ليلة يعجز فيها الجسد عن مجاراة ما يفكر فيه العقل. وهذا لا ينتقص مما سبق، بل يمنحه عمقاً أكبر.
تعشق كرة القدم الحديثة النهايات المثالية، وتحب أن يغادر الأبطال في اللحظة التي تبلغ فيها الموسيقى ذروتها. لكن الواقع نادراً ما يمنح مثل هذه النهايات. فاللاعبون يواصلون اللعب لأنهم لا يزالون يحبون اللعبة، ولأنهم يعتقدون أنهم قادرون على العطاء، ولأن اختيار المباراة الأخيرة بإرادتهم الكاملة يكاد يكون مستحيلاً.
قد لا يكون ميسي غادر كأس العالم حاملاً الكأس، لكنه كان قد فاز بها بالفعل، وقد لا يكون منح الأرجنتين انتصاراً أخيراً، لكنه منحها عشرين عاماً كان خلالها كل لمس للكرة حدثاً يستحق المتابعة.
فازت إسبانيا بالنهائي، واستلم الجيل الجديد زمام اللعبة. لكن عصر ميسي لا ينتهي بفشل، بل بحقيقة باتت واضحة : قد تستمر كرة القدم من دونه، لكنها لن تكون كما كانت معه
تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الترجمة الأولية، فيما خضع النص للمراجعة والتدقيق والتصحيح والتحرير من طرف عائشة بوسكين لضمان الدقة وسلامة الأسلوب