بقلم سعيد التمسماني
في الحادي عشر من يناير قبل اثنين وثمانين عامًا، لم يوقّع الوطنيون المغاربة وثيقة سياسية فحسب، بل وقّعوا عقدًا أخلاقيًا مع المستقبل. وثيقة المطالبة بالاستقلال لم تكن صرخة احتجاج، بل إعلان ثقة: ثقة شعب في نفسه، وثقة جيل شاب آنذاك في قدرته على تغيير مسار التاريخ. لقد قالوا باختصار إن المغرب لا يُمنح، بل يُبنى، وأن الحرية ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
واليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، لا نعود إلى الماضي بدافع الحنين، بل بدافع السؤال: ماذا نفعل نحن بإرثهم؟ وهل ما نعيشه اليوم يرقى إلى حجم ذلك الوعد الكبير الذي قطعوه باسم الوطن؟
الاستقلال كمسار لا كذكرى
الاستقلال ليس لحظة جامدة في كتاب التاريخ، بل حركة مستمرة في الواقع. من ظنّ أن التحرّر يكتمل بمجرد رفع العلم، نسي أن أصعب المعارك تبدأ بعد النصر: معركة بناء الدولة العادلة، والاقتصاد القوي، والمجتمع المتماسك. لذلك، فإن الوفاء لوثيقة الاستقلال لا يكون بالاحتفال فقط، بل بتحويل روحها إلى سياسات، ومشاريع، وسلوك يومي.
الوطنية اليوم تُقاس بالعمل الجاد، باحترام القانون، وبالإيمان بأن كل موقع، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يكون مساحة لخدمة المغرب.
الوحدة الترابية… قلب المشروع الوطني
نجح جيل الاستقلال لأنه جعل من الوحدة قضية جامعة. واليوم، تظل الوحدة الترابية، وفي صلبها الصحراء المغربية، جوهر الاستقرار وقاعدة كل تنمية. ما يحققه المغرب من دعم دولي متزايد لقضيته ليس صدفة، بل نتيجة رؤية واقعية، ودبلوماسية هادئة، وقدرة على ربط السيادة بالتنمية.
الدفاع عن الوحدة لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل صار مشروعًا تنمويًا، يربط الأرض بالإنسان، والهوية بالكرامة، والسيادة بالمستقبل.
الشباب… روح الوثيقة المتجددة
لو لم يؤمن الشباب سنة 1944 بقدرتهم على التغيير، لما وُلدت الوثيقة. واليوم، إن فقد الشباب إيمانهم بدورهم، يفقد الوطن جزءًا من طاقته. التحديات تغيّرت: بطالة، تحوّلات رقمية، منافسة عالمية، أسئلة القيم والمعنى… لكن الجواب يبقى واحدًا: لا صعود دون جيل مبادر.
شعار «مغرب صاعد بإرادة شباب واعد» ليس زينة لغوية، بل رهان وطني: أن يتحوّل الشباب من متلقٍّ للسياسات إلى صانع لها، ومن متفرّج على التحولات إلى فاعل فيها.
السياسة: من صراع المواقع إلى خدمة المعنى
أسّس رواد الحركة الوطنية السياسة على التضحية، لا على الامتياز. كانوا يرونها رسالة قبل أن تكون مهنة. واليوم، لا يمكن استعادة الثقة في العمل السياسي إلا بإعادة الاعتبار لهذا المعنى: أن تكون السياسة وسيلة لخدمة الإنسان، لا وسيلة لاستخدامه.
حين يرى المواطن في السياسي خادمًا للصالح العام، لا مالكًا له، تعود السياسة إلى دورها الطبيعي كرافعة للأمل.
الميدان… حيث تُختبر الوطنية
لم تُكتب وثيقة الاستقلال في فراغ، بل خرجت من نبض المجتمع، ومن معاناة الناس، ومن أحلامهم. لذلك، فإن كل مشروع وطني لا يمر عبر الميدان يبقى ناقصًا. التطوع، والعمل الجمعوي، والمبادرة المحلية ليست أنشطة ثانوية، بل هي مختبر المواطنة الحقيقية.
في الشارع، في القرية، في الجامعة، وفي مكان العمل، تُختبر صدقية الخطاب، ويُقاس وزن الفعل.
الواقعية تصنع الانتصارات
كانت الوثيقة جريئة في هدفها، لكنها واقعية في طريقها. لم تبنِ حلمها على المستحيل، بل على الممكن المتراكم. واليوم، في قضايا التنمية والوحدة الترابية والإصلاح الاجتماعي، لا يكسب من يرفع الشعارات القصوى، بل من يحسن إدارة الزمن، ويبني خطوة بعد خطوة.
التاريخ لا يصنعه المتعجلون، بل الصابرون الذين يعرفون أين يضعون أقدامهم.
الانفتاح… بلا ذوبان
خاطب الوطنيون العالم بلغة عصرهم، دون أن يتخلّوا عن هويتهم. والجيل الحالي مطالب بأن يتقن لغات العصر: التكنولوجيا، المعرفة، التأثير الدولي… لكن دون أن يفقد بوصلته الوطنية.
الانفتاح قوة حين يخدم الذات، وضعف حين يذيبها.
من وعد التحرّر إلى مشروع الصعود
الذكرى 82 لوثيقة المطالبة بالاستقلال ليست وقفة بكاء على زمن جميل، بل لحظة مساءلة: ماذا صنعنا بالحرية التي نالوها لنا؟ هل حوّلناها إلى عدالة؟ إلى تنمية؟ إلى أمل؟
كما صنع جيل الأمس لحظة التحرّر، يُطلب من جيل اليوم أن يصنع لحظة الصعود: صعود الإنسان قبل الاقتصاد، وصعود الثقة قبل الأرقام، وصعود المغرب في قلوب أبنائه قبل صورته في العالم.
فالمغرب لا يحتاج إلى جيل يكتفي بترديد تاريخٍ مجيد،
بل إلى جيل يكتبه من جديد… بالفعل، والإرادة، والأمل.
واليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، لا نعود إلى الماضي بدافع الحنين، بل بدافع السؤال: ماذا نفعل نحن بإرثهم؟ وهل ما نعيشه اليوم يرقى إلى حجم ذلك الوعد الكبير الذي قطعوه باسم الوطن؟
الاستقلال كمسار لا كذكرى
الاستقلال ليس لحظة جامدة في كتاب التاريخ، بل حركة مستمرة في الواقع. من ظنّ أن التحرّر يكتمل بمجرد رفع العلم، نسي أن أصعب المعارك تبدأ بعد النصر: معركة بناء الدولة العادلة، والاقتصاد القوي، والمجتمع المتماسك. لذلك، فإن الوفاء لوثيقة الاستقلال لا يكون بالاحتفال فقط، بل بتحويل روحها إلى سياسات، ومشاريع، وسلوك يومي.
الوطنية اليوم تُقاس بالعمل الجاد، باحترام القانون، وبالإيمان بأن كل موقع، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يكون مساحة لخدمة المغرب.
الوحدة الترابية… قلب المشروع الوطني
نجح جيل الاستقلال لأنه جعل من الوحدة قضية جامعة. واليوم، تظل الوحدة الترابية، وفي صلبها الصحراء المغربية، جوهر الاستقرار وقاعدة كل تنمية. ما يحققه المغرب من دعم دولي متزايد لقضيته ليس صدفة، بل نتيجة رؤية واقعية، ودبلوماسية هادئة، وقدرة على ربط السيادة بالتنمية.
الدفاع عن الوحدة لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل صار مشروعًا تنمويًا، يربط الأرض بالإنسان، والهوية بالكرامة، والسيادة بالمستقبل.
الشباب… روح الوثيقة المتجددة
لو لم يؤمن الشباب سنة 1944 بقدرتهم على التغيير، لما وُلدت الوثيقة. واليوم، إن فقد الشباب إيمانهم بدورهم، يفقد الوطن جزءًا من طاقته. التحديات تغيّرت: بطالة، تحوّلات رقمية، منافسة عالمية، أسئلة القيم والمعنى… لكن الجواب يبقى واحدًا: لا صعود دون جيل مبادر.
شعار «مغرب صاعد بإرادة شباب واعد» ليس زينة لغوية، بل رهان وطني: أن يتحوّل الشباب من متلقٍّ للسياسات إلى صانع لها، ومن متفرّج على التحولات إلى فاعل فيها.
السياسة: من صراع المواقع إلى خدمة المعنى
أسّس رواد الحركة الوطنية السياسة على التضحية، لا على الامتياز. كانوا يرونها رسالة قبل أن تكون مهنة. واليوم، لا يمكن استعادة الثقة في العمل السياسي إلا بإعادة الاعتبار لهذا المعنى: أن تكون السياسة وسيلة لخدمة الإنسان، لا وسيلة لاستخدامه.
حين يرى المواطن في السياسي خادمًا للصالح العام، لا مالكًا له، تعود السياسة إلى دورها الطبيعي كرافعة للأمل.
الميدان… حيث تُختبر الوطنية
لم تُكتب وثيقة الاستقلال في فراغ، بل خرجت من نبض المجتمع، ومن معاناة الناس، ومن أحلامهم. لذلك، فإن كل مشروع وطني لا يمر عبر الميدان يبقى ناقصًا. التطوع، والعمل الجمعوي، والمبادرة المحلية ليست أنشطة ثانوية، بل هي مختبر المواطنة الحقيقية.
في الشارع، في القرية، في الجامعة، وفي مكان العمل، تُختبر صدقية الخطاب، ويُقاس وزن الفعل.
الواقعية تصنع الانتصارات
كانت الوثيقة جريئة في هدفها، لكنها واقعية في طريقها. لم تبنِ حلمها على المستحيل، بل على الممكن المتراكم. واليوم، في قضايا التنمية والوحدة الترابية والإصلاح الاجتماعي، لا يكسب من يرفع الشعارات القصوى، بل من يحسن إدارة الزمن، ويبني خطوة بعد خطوة.
التاريخ لا يصنعه المتعجلون، بل الصابرون الذين يعرفون أين يضعون أقدامهم.
الانفتاح… بلا ذوبان
خاطب الوطنيون العالم بلغة عصرهم، دون أن يتخلّوا عن هويتهم. والجيل الحالي مطالب بأن يتقن لغات العصر: التكنولوجيا، المعرفة، التأثير الدولي… لكن دون أن يفقد بوصلته الوطنية.
الانفتاح قوة حين يخدم الذات، وضعف حين يذيبها.
من وعد التحرّر إلى مشروع الصعود
الذكرى 82 لوثيقة المطالبة بالاستقلال ليست وقفة بكاء على زمن جميل، بل لحظة مساءلة: ماذا صنعنا بالحرية التي نالوها لنا؟ هل حوّلناها إلى عدالة؟ إلى تنمية؟ إلى أمل؟
كما صنع جيل الأمس لحظة التحرّر، يُطلب من جيل اليوم أن يصنع لحظة الصعود: صعود الإنسان قبل الاقتصاد، وصعود الثقة قبل الأرقام، وصعود المغرب في قلوب أبنائه قبل صورته في العالم.
فالمغرب لا يحتاج إلى جيل يكتفي بترديد تاريخٍ مجيد،
بل إلى جيل يكتبه من جديد… بالفعل، والإرادة، والأمل.