كتاب الرأي

من أجل سوق حر، لكن غير متروك دون تأطير سياسي


مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، بدأت الخطوط الإيديولوجية تعود تدريجياً إلى النقاش العام في المغرب. خلف تبادلات تبدو تقنية أو مرتبطة بالأرقام، يتشكل في العمق جدل سياسي حقيقي حول موقع الدولة في الاقتصاد، وحول معنى “حماية المواطن” داخل سوق يفترض أنه حر.



الحديث عن السوق لم يعد مجرد نقاش اقتصادي صرف. فهو أصبح مرتبطاً مباشرة بالقدرة الشرائية، وبثقة المواطن، وبإحساسه بالعدالة أو غيابها. فبين من يدافع عن تحرير الأسعار باعتباره شرطاً للنمو والاستثمار، ومن يطالب بتدخل أكبر للدولة لضبط الاختلالات، يتسع هامش التوتر دون أن يُحسم فعلياً.
 

في العمق، لا يتعلق النقاش برفض الاقتصاد الحر، بل بحدود هذا الحرية. فالسوق حين يُترك دون قواعد واضحة، قد يتحول من فضاء للمنافسة إلى فضاء لإعادة إنتاج الفوارق، ومن أداة لتوليد الثروة إلى آلية لتركيزها في أيدي قليلة. وهنا تحديداً تبدأ السياسة في استعادة مكانها.
 

لا يمكن فصل القدرة الشرائية عن هذا النقاش. فالمواطن لا يقيس الاقتصاد بالمؤشرات الكلية، بل بما يدفعه يومياً في السوق. حين ترتفع الأسعار دون تفسير واضح أو دون رقابة فعالة، تتآكل الثقة، ويصبح الإحساس بالظلم الاقتصادي أكثر حضوراً من أي خطاب رسمي عن النمو.
 

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً اختزال كل ارتفاع في الأسعار في “مضاربات” أو “جشع”، لأن جزءاً من هذه التحولات مرتبط بعوامل موضوعية: المناخ، سلاسل التوريد، الطاقة، والتقلبات الدولية. المشكلة ليست في وجود هذه العوامل، بل في غياب الشفافية الكافية لشرحها وتدبير آثارها.
 

هنا يظهر دور الدولة كفاعل ضابط لا كبديل عن السوق. فهي ليست مطالبة بتحديد كل الأسعار، لكنها مطالبة بضمان أن تعمل القواعد بشكل عادل، وأن لا تتحول المنافسة إلى احتكار مقنّع، وأن تكون المعلومات متاحة وواضحة للمستهلك.
 

إن عودة السياسة إلى هذا النقاش ليست ترفاً، بل ضرورة. فحين يختفي التأطير السياسي، يترك المجال للتأويلات والانطباعات، ويصبح السوق نفسه مصدراً للتوتر الاجتماعي. أما حين تُحدد القواعد بوضوح، يصبح الاختلاف حول الخيارات الاقتصادية جزءاً طبيعياً من الديمقراطية.
 

في هذا السياق، تبدو الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد تنافس حزبي. إنها أيضاً اختبار لرؤية اقتصادية: أي نموذج لتنظيم السوق؟ أي دور للدولة؟ وأي حماية فعلية للمستهلك في مواجهة تقلبات الأسعار؟
 

لا يتعلق الأمر بشعارات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. فالسوق الحر لا يعني سوقاً بلا قواعد، كما أن حماية المواطن لا تعني بالضرورة تدخل الدولة في كل شيء. بين هذين الحدّين، يتحدد مستقبل النقاش الاقتصادي في المغرب.
 

في النهاية، يبقى السؤال مفتوح اً: من سيستطيع إقناع المواطن بأن السوق يمكن أن يكون حراً وعادلاً في الوقت نفسه؟

 
 




الجمعة 22 ماي 2026
في نفس الركن