بين السطور

مذكرة تحليلية : الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الرد الإيراني... إسرائيل، باكستان، الأكراد، الصين وروسيا


لم تعد المواجهة المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد امتداد للمرحلة الأولى من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، بل تكشف عن تحول واضح في الاستراتيجية الأمريكية. فواشنطن لم تعد تركز جهودها فقط على استهداف البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ومراكز القيادة العسكرية، بل بات هدفها الرئيسي تقليص قدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز، ومنعها من تهديد الملاحة التجارية أو استخدام هذا الممر الحيوي كورقة ضغط في المفاوضات



بقلم : عدنان بنشقرون

وتنتمي هذه المرحلة الجديدة إلى ما يمكن وصفه بـ"حرب الإكراه" أكثر من كونها حرب احتلال. فالولايات المتحدة تسعى إلى إجبار إيران على تغيير سلوكها دون الانخراط، في الوقت الراهن، في غزو بري شامل. ويتمثل الهدف في توجيه رسالة واضحة مفادها أن أي محاولة لإغلاق مضيق هرمز أو فرض رسوم أو قيود على الملاحة عبره ستقابل بتدمير ممنهج للقدرات العسكرية والبحرية واللوجستية التي تعتمد عليها طهران لفرض هذا النفوذ.


وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أنها شنت منذ مطلع شهر يوليوز عدة موجات من الضربات استهدفت عشرات المواقع الإيرانية، شملت أنظمة المراقبة الساحلية، والدفاعات الجوية، والبنى التحتية اللوجستية العسكرية، إضافة إلى القدرات البحرية المنتشرة في محيط مضيق هرمز. وتؤكد واشنطن أن هذه العمليات تهدف إلى إضعاف قدرة إيران على استهداف السفن التجارية التي تعبر المضيق.

استراتيجية أمريكية جديدة تتمحور حول السيطرة البحرية


يكمن أبرز اختلاف هذه المرحلة عن بداية الحرب في إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية. فبينما لا تزال المنشآت النووية والقوة الصاروخية الإيرانية تمثل أهدافاً رئيسية، أصبحت حرية الملاحة في مضيق هرمز أولوية عملياتية تتقدم على غيرها.


فبعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، أعادت واشنطن إطلاق حملة جوية وبحرية واسعة، ترافقت مع ضغوط على الموانئ الإيرانية وإعلان صريح عن عزمها منع القوات الإيرانية من تعطيل حركة الملاحة بشكل مستدام. وبذلك تحول مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الأزمة نحو خُمس صادرات النفط والغاز المنقولة بحراً في العالم، إلى مركز الثقل الحقيقي للمواجهة.


وتقوم المقاربة الأمريكية على أربعة محاور رئيسية :


أولاً : تعطيل قدرات الرصد الإيرانية عبر استهداف الرادارات، وأنظمة المراقبة، والدفاعات الجوية الساحلية.

ثانياً : تفكيك منظومة الإمداد اللوجستي التي تربط الوحدات العسكرية الإيرانية بالموانئ ومستودعات الذخيرة ومحاور النقل.

ثالثاً : تحييد الزوارق السريعة، والصواريخ، والطائرات المسيّرة القادرة على تهديد السفن التجارية.

رابعاً : ممارسة ضغط اقتصادي من خلال تقليص الصادرات الإيرانية ورفع الكلفة الداخلية لاستمرار الحرب.


وتختلف هذه الاستراتيجية جذرياً عن غزو العراق سنة 2003، إذ لا توجد حتى الآن مؤشرات على استعداد أمريكي لاحتلال إيران أو إسقاط نظامها السياسي وإدارة أراضيها. فالخطة الحالية تقوم على مزيج من الضربات بعيدة المدى، والحصار، والعقوبات، والتفاوض تحت الضغط، بهدف تحقيق مكاسب سياسية دون تحمل أعباء احتلال عسكري طويل الأمد. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته مفارقة واضحة، إذ إن الحملة الجوية قادرة على تدمير القدرات العسكرية، لكنها لا تضمن قبول القيادة الإيرانية بالشروط التي تسعى واشنطن إلى فرضها


الرد الإيراني... خيارات متعددة لتوسيع المواجهة


في المقابل، لا تبدو طهران في موقع من يقبل بسهولة بالضغوط الأمريكية. فالتقديرات تشير إلى أن القيادة الإيرانية لا تنظر إلى المعركة باعتبارها مواجهة عسكرية محدودة، بل تعتبرها اختباراً لقدرتها على فرض توازن ردع جديد في المنطقة، وهو ما يدفعها إلى البحث عن وسائل تصعيد تجعل كلفة الحرب مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها.


ومن بين السيناريوهات المطروحة، قد تلجأ إيران إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، أو تكثيف الضغوط على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو تفعيل أدوار حلفائها الإقليميين في أكثر من ساحة، بهدف نقل المواجهة إلى نطاق أوسع وإجبار واشنطن على إعادة حساباتها.


وترى القيادة الإيرانية أن أي تراجع أمام الضربات الأمريكية قد يُفسر على أنه فقدان لهيبة الردع، وهو ما يجعلها تميل إلى اعتماد استراتيجية تقوم على استنزاف الخصم بدلاً من الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة قد تكون نتائجها مكلفة للغاية.

إسرائيل في قلب الحسابات العسكرية


ضمن هذا المشهد، تبقى إسرائيل أحد أبرز أطراف المعادلة الأمنية. فالتنسيق العسكري والاستخباراتي الوثيق مع الولايات المتحدة يمنحها دوراً محورياً في مراقبة التحركات الإيرانية والتصدي لأي تهديد قد يطال المنطقة.


في المقابل، تدرك طهران أن أي تصعيد يستهدف إسرائيل قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب بشكل أكبر، ويمنح الولايات المتحدة مبرراً إضافياً لتشديد عملياتها العسكرية، وهو ما يجعل هذا الخيار محفوفاً بمخاطر استراتيجية كبيرة، رغم بقائه وارداً ضمن حسابات الرد الإيراني.


كما تراقب دول الخليج تطورات الأزمة بحذر شديد، نظراً لما قد يترتب على استمرار القتال من تداعيات مباشرة على أمن الطاقة، واستقرار أسواق النفط، وحركة التجارة العالمية، خصوصاً إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة أو الممرات البحرية لأي اضطراب جديد.


ويجمع كثير من المراقبين على أن المرحلة الحالية لم تعد تقتصر على صراع ثنائي بين واشنطن وطهران، بل أصبحت أزمة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية، مع اتساع دائرة الأطراف المتأثرة بنتائجها


باكستان والأكراد... أوراق إضافية في حسابات الصراع


إذا استمرت المواجهة في التصاعد، فقد تمتد تداعياتها إلى أطراف إقليمية أخرى، من بينها باكستان التي تراقب تطورات الأزمة بحذر بالغ. ورغم أن إسلام آباد تحرص على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأطراف، فإن أي اتساع للحرب بالقرب من حدودها أو أي اضطراب أمني واسع قد يفرض عليها إعادة النظر في تموضعها الاستراتيجي، سواء لحماية أمنها القومي أو للحفاظ على استقرارها الداخلي.


وفي المقابل، يبقى الملف الكردي أحد العناصر التي قد تستغلها بعض القوى الإقليمية والدولية في حال توسعت رقعة النزاع. فالمناطق الكردية، بحكم موقعها الجغرافي وتشابك امتداداتها بين إيران والعراق وتركيا وسوريا، قد تتحول إلى ساحة إضافية للصراع إذا قررت بعض الأطراف توظيفها للضغط على طهران أو لإرباك حساباتها الأمنية.

إلى أين تتجه الحرب؟


في ضوء المعطيات الحالية، لا تبدو أي من القوتين مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية. فالولايات المتحدة تواصل سياسة الضغط العسكري والاقتصادي بهدف تقليص النفوذ الإيراني وفرض شروط جديدة، بينما تراهن طهران على الصمود واستنزاف خصومها إلى حين تغير موازين القوى أو بروز فرصة تفاوضية أكثر ملاءمة.


ويعني ذلك أن المنطقة قد تدخل مرحلة طويلة من المواجهة غير المباشرة، تتخللها ضربات عسكرية متقطعة، وضغوط اقتصادية، وتحركات دبلوماسية متوازية، دون أن يصل أي طرف إلى حسم نهائي في المدى القريب. فالحرب، كما تبدو اليوم، مرشحة لأن تتحول إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع مصالح القوى الكبرى، بما يجعل مستقبلها أكثر تعقيداً وغموضاً

 
الصين وروسيا... دعم إيران دون الانخراط في الحرب


تشكل الصين وروسيا العمق الاستراتيجي للمواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران. فهما ليستا مجرد مراقبتين للأحداث، كما أنهما، حتى الآن، ليستا طرفين مباشرين في الحرب. ويتركز هدفهما المشترك في الحيلولة دون تحقيق واشنطن انتصاراً يضعف إيران بشكل دائم أو يؤدي إلى إسقاط نظامها، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.


غير أن هذا التقارب لا يعني تطابقاً كاملاً في الرؤية بين بكين وموسكو. فالصين تنظر إلى الأزمة من زاوية أمن الطاقة واستقرار التجارة العالمية ومنافستها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بينما ترى روسيا في التصعيد فرصة لاستنزاف القدرات الغربية، وتخفيف الضغط المفروض عليها في أوروبا، وتقويض النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.


وبالنسبة للصين، فإن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز يمثل تهديداً مباشراً لاقتصادها، إذ تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط. لذلك، لا يمكنها القبول بأزمة تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل حركة النقل البحري، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية.


لهذا السبب تدعو الدبلوماسية الصينية، في الوقت نفسه، إلى وقف العمليات العسكرية، واستئناف المفاوضات، وضمان إعادة فتح الممرات البحرية. وترى بكين أن استمرار الحرب يضر بالنمو الاقتصادي العالمي، ويهدد التجارة الدولية وأمن الطاقة، كما ترفض أي محاولة لفرض تغيير النظام الإيراني بالقوة من الخارج.


لكن هذا الموقف لا يعني تأييد الأهداف الأمريكية. فالصين ترغب في استعادة حرية الملاحة، لكنها لا تريد أن يتحقق ذلك على حساب تعزيز الهيمنة العسكرية الأمريكية في الخليج أو انهيار الدولة الإيرانية، التي تعد بالنسبة إليها شريكاً استراتيجياً، ومورداً مهماً للطاقة، وعضواً في مجموعة "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون، فضلاً عن كونها حلقة أساسية في الممرات التجارية التي تربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط والمحيط الهندي.


وتقوم الاستراتيجية الصينية على تحقيق توازن بين ثلاثة أهداف متوازية: منع خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل، والحفاظ على انسيابية الملاحة البحرية، وتقديم نفسها كقوة قادرة على الحوار مع جميع الأطراف.


ولهذا يرجح أن يظل دعمها لطهران اقتصادياً ودبلوماسياً وتقنياً بالدرجة الأولى، من خلال مواصلة التبادل التجاري، واستخدام قنوات مالية أقل عرضة للعقوبات الغربية، وتوفير السلع المدنية أو ذات الاستخدام المزدوج، إضافة إلى توفير الغطاء الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية.


أما التدخل العسكري الصيني المباشر، فيبقى احتمالاً ضعيفاً للغاية، إذ لا مصلحة لبكين في خوض مواجهة بحرية مع الولايات المتحدة في الخليج، بينما يظل المحيطان الهندي والهادئ ساحة أولوياتها الاستراتيجية. فهدفها ليس القتال إلى جانب إيران، وإنما منع واشنطن من تحويل الأزمة إلى استعراض غير قابل للطعن لتفوقها العسكري.


وفي الوقت ذاته، تنظر الصين إلى الحملة العسكرية الأمريكية باعتبارها مختبراً عملياً لاستخلاص الدروس، سواء فيما يتعلق بمعدلات استهلاك الصواريخ، أو متطلبات التزود الجوي بالوقود، أو قدرات القيادة والسيطرة بعيدة المدى، أو فعالية أنظمة الدفاع الصاروخي، أو حتى تفاعل الرأي العام الأمريكي مع حرب طويلة الأمد. وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة لبكين في حال اندلاع أزمة مستقبلية حول تايوان

 
موسكو لا تبحث عن انتصار إيراني بقدر ما تسعى إلى استنزاف واشنطن


ترتبط روسيا بإيران بعلاقة استراتيجية أكثر رسوخاً على المستوى المؤسساتي. فقد دخلت معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، الموقعة بين البلدين في يناير 2025، حيز التنفيذ في العام نفسه، ونصت على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري. ومع ذلك، فإن هذه المعاهدة لا ترقى إلى مستوى تحالف دفاعي جماعي على غرار حلف شمال الأطلسي، ما يعني أن موسكو ليست ملزمة قانونياً بالدخول في الحرب إلى جانب طهران.


وتواصل روسيا إدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، والتأكيد على احترام سيادة إيران، مع الدعوة إلى حل سياسي للأزمة. وبعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في يونيو، رحبت موسكو بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، محافظة بذلك على خطاب يجمع بين رفض التدخل العسكري الغربي والتمسك بدور الوسيط.


وعلى أرض الواقع، لا تكمن مصلحة روسيا في تحقيق انتصار إيراني حاسم، بقدر ما تتمثل في منع الولايات المتحدة من إنهاء الحرب بسرعة. فكلما طال أمد الحملة العسكرية الأمريكية، اضطرت واشنطن إلى تخصيص المزيد من الطائرات والسفن وأنظمة الدفاع الصاروخي ووسائل الاستخبارات ومخزونات الذخيرة لهذا المسرح، وهو ما يقلص قدرتها على تركيز مواردها في جبهات أخرى.


ومن هذا المنطلق، قد يؤدي تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج إلى تقليص هامش المناورة الأمريكي، ولو مؤقتاً، في أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد ينعكس إيجاباً على العائدات الروسية، وإن كانت موسكو تدرك أن اضطراب الاقتصاد العالمي بشكل مفرط سيؤثر عليها أيضاً.


ومن المرجح أن يتركز الدعم الروسي لإيران في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، والمراقبة عبر الأقمار الصناعية، وصيانة المعدات، وتعزيز الدفاعات الجوية. كما يمكن لموسكو أن تساعد طهران على تحسين انتشار قواتها، وحماية مراكز القيادة، وتطوير تكتيكاتها لمواجهة الضربات الأمريكية.


ورغم ذلك، يبقى احتمال انخراط القوات الروسية مباشرة في مواجهة الولايات المتحدة ضعيفاً للغاية، لأن موسكو تسعى إلى رفع كلفة الحملة الأمريكية، لا إلى إشعال مواجهة مباشرة بين قوتين نوويتين.

تنسيق صيني روسي... دون تحالف عسكري مباشر


من المتوقع أن تواصل الصين وروسيا تنسيق مواقفهما داخل مجلس الأمن، ومجموعة "بريكس"، ومنظمة شنغهاي للتعاون. وقد سبق لهما أن أظهرتا قدرتهما على تعطيل أو معارضة مبادرات غربية مرتبطة بإيران ومضيق هرمز، كما حدث في أبريل 2026 عندما استخدمتا حق النقض ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يتعلق بإغلاق المضيق.


ويهدف هذا التنسيق إلى حماية مؤسسات الدولة الإيرانية، ومنع منح الشرعية الدولية للضربات الأمريكية، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع طهران، والدفاع عن رؤية متعددة الأقطاب للنظام الدولي.


ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن تحالف عسكري متكامل بين البلدين، لأن أولوياتهما ليست متطابقة. فالصين تضع استقرار التجارة العالمية في مقدمة اهتماماتها، بينما قد تجد روسيا في استمرار الأزمة فرصة لإبقاء الاهتمام الأمريكي بعيداً عن أوكرانيا، مع الحفاظ على أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة.


ولهذا، فإن مصلحتهما المشتركة تتمثل في منع الهزيمة الاستراتيجية لإيران، لكنهما قد تختلفان بشأن المدة التي ينبغي أن تستمر فيها الحرب

 
سقوط النظام الإيراني... الخط الأحمر لبكين وموسكو


من المرجح أن يتغير الموقف الصيني والروسي بشكل ملحوظ إذا انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الضغط والإكراه إلى استراتيجية معلنة تستهدف إسقاط النظام الإيراني.


فلا بكين ولا موسكو ترغبان في رؤية إيران دولةً مفككة، أو غارقة في حرب أهلية، أو خاضعة لسلطة موالية لواشنطن. فمثل هذا التحول سيغير موازين القوى في الشرق الأوسط، ويضعف مجموعة "بريكس"، ويهدد الممرات التجارية الأوراسية، كما سيمنح الولايات المتحدة حضوراً استراتيجياً أكبر على الحدود الجنوبية لروسيا والحدود الغربية للصين.


وفي مثل هذا السيناريو، قد يصبح الدعم الصيني والروسي أكثر قوة، من خلال تسريع نقل التقنيات، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم مساعدات مالية عاجلة، ودعم استمرارية مؤسسات الدولة الإيرانية، إلى جانب تكثيف التحركات الدبلوماسية الرامية إلى عزل الولايات المتحدة على الساحة الدولية.


وقد تلجأ الصين، في الوقت نفسه، إلى زيادة الضغط على واشنطن في منطقة المحيط الهادئ عبر استعراضات عسكرية ورسائل ردع مرتبطة بتايوان، بينما قد تستغل روسيا انشغال الولايات المتحدة لتكثيف تحركاتها في أوكرانيا أو القطب الشمالي أو الجبهة الشرقية لأوروبا. وقد لا يتم ذلك في إطار تنسيق عسكري مباشر، لكنه سيزيد من حجم الضغوط التي تواجهها واشنطن على أكثر من جبهة في آن واحد.


ورغم ذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب هو استمرار الدعم غير المباشر والمدروس لإيران. فالصين ستوفر لها، أساساً، الغطاء الاقتصادي والدبلوماسي الذي يسمح لها بالصمود، فيما ستواصل روسيا دعمها في المجالات الأمنية والعسكرية والتكنولوجية.


ولا يبدو أن أياً من البلدين مستعد للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، لكن كليهما يسعى إلى منع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العسكري إلى انتصار سياسي دائم.


وبذلك، تتحول المواجهة في الخليج تدريجياً إلى حرب إقليمية تحظى بدعم قوى عالمية. فالولايات المتحدة تقود العمليات، وإسرائيل تحتفظ بدورها كقوة احتياط استراتيجية، بينما تقترب دول الخليج أكثر فأكثر من الانخراط الدفاعي. وفي المقابل، تواصل إيران المقاومة بإمكاناتها الذاتية، لكن قدرتها على الصمود ستظل مرتبطة، إلى حد بعيد، باستمرار الدعم الاقتصادي الصيني والمساندة الاستراتيجية الروسية.


وفي نهاية المطاف، لن يكون العامل الحاسم هو دخول الصين أو روسيا الحرب بشكل رسمي، بل مدى قدرتهما على إطالة أمد صمود إيران إلى أن تصبح الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تتحملها الولايات المتحدة أكبر من المكاسب التي تأمل في تحقيقها

 
ماذا لو لم تُرسل واشنطن قوات المارينز... بل مقاتلين من الشركات العسكرية الخاصة؟


بدأت خلال الآونة الأخيرة تبرز، بهدوء، فرضية داخل بعض الدوائر الاستراتيجية الأمريكية مفادها: ماذا لو اختارت الولايات المتحدة، لتجنب الكلفة السياسية والعسكرية لأي إنزال بري تقليدي، الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة بدلاً من إرسال قوات المارينز إلى الأراضي الإيرانية؟


قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى مثيرة للجدل، لكنها ليست بعيدة عن التجربة الأمريكية. فمنذ شركة "بلاك ووتر" خلال حرب العراق، مروراً بالشركات التي أعادت هيكلة نفسها تحت أسماء مختلفة، أصبح اللجوء إلى المتعاقدين العسكريين جزءاً ثابتاً من أدوات القوة الأمريكية. وتشمل مهام هذه الشركات حماية المواقع الحساسة، وتأمين البنى التحتية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الدعم اللوجستي، وصيانة المعدات، وتدريب القوات، بل والمشاركة في بعض العمليات الخاصة، وهو ما جعل الحدود الفاصلة بين الجيش النظامي والفاعلين العسكريين الخواص أقل وضوحاً مما كانت عليه قبل عقدين.


وفي حال تطبيق هذا السيناريو في إيران، فإنه قد يوفر لواشنطن عدة مزايا. فمن جهة، يقلل من الأثر السياسي لسقوط قتلى من الجنود الأمريكيين النظاميين، ومن جهة أخرى يمنحها مرونة أكبر في إدارة العمليات، دون أن تبدو وكأنها تشن غزواً عسكرياً مباشراً. كما أن آلاف العسكريين السابقين من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ودول حليفة أخرى يمتلكون خبرة واسعة في حروب الشرق الأوسط، ويمكن التعاقد معهم بسرعة إذا اقتضت الحاجة.


ولن تكون مهمة هؤلاء، على الأرجح، احتلال طهران أو السيطرة على كامل الأراضي الإيرانية، بل تنفيذ مهام محددة، مثل تأمين الموانئ، وحماية المنشآت النفطية، والدفاع عن محطات تحلية المياه، ومرافقة القوات المحلية، والسيطرة على بعض الجزر الاستراتيجية في مضيق هرمز، أو حماية الممرات اللوجستية. وبعبارة أخرى، فرض السيطرة على مواقع حيوية دون إعلان احتلال عسكري رسمي.


غير أن اعتماد هذا الخيار قد يفتح مرحلة جديدة من الصراع، لأن إيران لن تميز، على الأرجح، بين عناصر الشركات العسكرية الخاصة والجنود الأمريكيين النظاميين. فطهران ستعتبر هؤلاء امتداداً مباشراً للسياسة الأمريكية، وبالتالي أهدافاً مشروعة، وهو ما يجعل أسرهم أو استهدافهم أو توظيفهم إعلامياً جزءاً من أدوات الحرب النفسية.


ولا تقتصر أهمية هذه الفرضية على الحالة الإيرانية وحدها، بل تثير سؤالاً أوسع حول مستقبل النزاعات المسلحة : هل يتجه العالم نحو خصخصة الحروب في القرن الحادي والعشرين؟ فبعد الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، قد تصبح الحروب المقبلة أكثر اعتماداً على جيوش هجينة تضم قوات نظامية، وشركات عسكرية خاصة، وخبراء استخبارات، ومتخصصين في الحرب الإلكترونية، وأنظمة قتالية ذاتية التشغيل.


ومع ذلك، لا توجد حتى الآن معطيات علنية تؤكد أن الولايات المتحدة تستعد فعلاً لاعتماد هذا الخيار ضد إيران. إلا أن السوابق التاريخية موجودة، والقدرات متوفرة، كما أن القيود السياسية المرتبطة بأي تدخل بري واسع تجعل هذا السيناريو قابلاً للدراسة ضمن التخطيط الاستراتيجي.


وإذا تحقق ذلك مستقبلاً، فقد يسجل التاريخ أن القوى الكبرى، بعدما نقلت جزءاً من صناعاتها إلى القطاع الخاص، بدأت أيضاً في إسناد جزء من حروبها إلى شركات خاصة. وعندها، قد لا يكون أول إنزال عسكري كبير في القرن الحادي والعشرين لقوات المارينز الأمريكية، بل لمقاتلين يعملون بعقود خاصة، يرتدون زياً لا يحمل علم دولة، لكنهم يخدمون مصالح سياسية واستراتيجية واضحة






الثلاثاء 21 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن