كتاب الرأي

محكمة الاستئناف بوجدة تسجل أرقاما مخيفة.. 53 ضحية للعنف سجلتها محكمة الاستئناف سنة 2018


• مكتسبات المرأة في ظل مدونة الأسرة ودور النيابة العامة في حمايتها
إن الصكوك الدولية الخاصة بحماية المرأة واتساع منظور التكفل بها استوجبت ضرورة التدخل لبلورة آليات وضمانات قانونية لرعاية النساء وضمان حقوقهن دون أي تمييز بشكل يوفر المساواة بين المرأة والرجل مع ضمان وتقويم ما قد تواجهه المرأة من أوجه اللامساواة أو أشكال التمييز أمام العدالة. وقد أكد المشرع المغربي تشبثه الدائم بمبادئ الكرامة والمساواة بين جميع البشر وتمسكه بمبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، و قد أقر في إطار الدستور أن المغاربة سواسية في الحقوق و الواجبات أمام القانون.



كريمة الإدريسي: النائبة الأولى للوكيل العام للملك سابقا لدى محكمة الاستئناف بوجدة

و تكريسا للمبدأ الدستوري أعلاه، و انسجاما مع المواثيق الدولية، أكد المشرع المغربي في مختلف القوانين على المساواة و منع كافة مظاهر التمييز، و منها مدونة الأسرة التي تضمنت عدة نصوص قانونية تؤكد المبدأ المذكور و المتمثلة في: 1/ مكتسبات المرأة في إطار مدونة الأسرة. 2/ دور النيابة العامة في إطار مدونة الأسرة. 3/ دور الخلية القضائية في حماية مكتسبا المرأة..
 
  و قد أقرت المدونة هذه المساواة من خلال عدة مجالات: نذكر منها 
 
- المساواة في الحقوق و الواجبات بين الزوجين: المادة 51 من مدونة الأسرة. 
- المساواة في رعاية الأسرة: المادة 4 من المدونة.
- المساواة في سن الزواج: المادة 19 من المدونة.
- المساواة بين الحفيدة و الحفيد في الإرث في الجد من جهة الأم.: المادة 369 من مدونة الأسرة.
- المساواة بين المحضونين في سن اختيار الحاضن: المادة 166 من المدونة.
- المساواة في اللجوء إلى القضاء من أجل طلب الطلاق: المواد 52 و 94 من المدونة.
       دور النيابة العامة في مدونة الأسرة: مما لا شك فيه أن القضاء بوجه عام يعد إحدى الأعمدة و الركائز الأساسية لضمان الحقوق و الحريات و الحماية من التجاوزات للسهر على احترام القوانين و التشريعات من طرف الجميع دونما أي تمييز.. 

 
 و النيابة العامة باعتبارها جزء لا يتجزأ من النظام القضائي، تعتبر بدورها الركيزة الأساسية لتنفيذ كل سياسة جنائية، للسهر على احترام و سيادة القانون و صون الحريات العامة و حماية النظام العام و الدفاع عن حقوق المجتمع..

 
و سعيا من المشرع إلى توفير سبل النجاح و التطبيق السليم لهذا القانون اعتبرها في إطار المادة 3 من المدونة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام المدونة مما يسمح فأسند لها اختصاصات مهمة في جميع المراحل بدءا بإبرام عقد الزواج إلى تصفية التركة مرورا بمختلف المشاكل و المحطات التي تمر بها العلاقة الزوجية من طلاق و تطليق و حضانة و نسب و أهلية.. 
 

 دور النيابة العامة في تفعيل التدابير المؤقتة لصيانة المرأة و الطفل: أناطت مدونة الأسرة بالنيابة العامة  مهمة السهر على مراقبة و تنفيذ الحقوق المترتبة للأم خلال الحمل الى حين بلوغ سن الرشد ( المادة 54 من المدونة).

 
أوكل المشرع المغربي للنيابة العامة مهمة التنفيذ الفوري على الأصل للتدابير المنصوص عليها في المادة 121 من مدونة الأسرة و ذلك في انتظار صدور حكم في موضوع النزاع الحاصل بين الزوجين.

 
 
دور الخلية القضائية للتكفل بالنساء و الأطفال في حماية مكتسبات المرأة في ظل مدونة الأسرة و القانون الجنائي:
 
 إن دراسة دور الخلية القضائية في حماية مكتسبات المرأة تستوجب التطرق لعدة عناصر رئيسية..
 
1/ الخلية القضائية للتكفل بالنساء و الأطفال ضحايا العنف: في إطار الرعاية السامية لصاحب الجلالة نصره الله التي يوليها بحقوق الإنسان بصفة عامة و حقوق المرأة و الطفل بوجه خاص في ظل دولة الحق و القانون، قامت وزارة العدل و الحريات بإحداث خلايا للتكفل بقضايا المرأة و الطفل بكافة محاكم المملكة قصد الارتقاء بمستوى التكفل بالفئة المذكورة بشكل يضمن تحقيق حمايتها و يكرس احترام حقوقهما المنصوص عليها قانونا، و قد كرس هذه المبادئ السيد رئيس النيابة العامة في إطار المنشور رقم 1 بتاريخ 17/10/2017 المتعلق بقضايا النساء و الأطفال من ضمن أولويات السياسة الجنائية و قد أكد ذلك القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء..

 
2/ تتألف الخلية القضائية من: عضو للنيابة العامة، قاض للتحقيق، قاض للأحداث، قاض للحكم، كتابة الضبط، مساعدة اجتماعية، ممثلي الإدارة (الأمن، الصحة، الشباب و الرياضة، التعليم، مندوبية الشغل، المجلس العلمي، المؤسسات السجنية، مراكز حماية الطفولة، التعاون الوطني، وكالة التنمية، ضباط الحالة المدنية)، ممثل مجلس الجهة، ممثل المجلس الإقليمي، محام يعينه نقيب هيئة المحامين بالدائرة القضائية الاستئنافية، ممثل الهيئات و المؤسسات و الجمعيات المهتمة بقضايا النساء و الأطفال.. و يترأس الخلايا السادة الوكلاء العامون للملك بالنسبة لمحاكم الاستئناف، و وكلاء الملك بالنسبة للمحاكم الابتدائية.

 
3/ أمام النيابة العامة: الاستماع و إجراء المعاينة، التنسيق مع الوحدات الطبية لضمان توفير الفحص و العلاج و انجاز الشواهد الطبية، الإشراف على البحث التمهيدي و إجراءاته، تحريك الدعوى العمومية في حق المعنف و ممارسة الإجراءات أثناء المحاكمة، إرجاع الزوجة المطرودة إلى بيت الزوجية حالا و ضمان أمنها طبقا للمادة 53 من مدونة الأسرة و في حالة امتناع الزوج تحريك المتابعة في حقه طبقا للقانون 103-13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، السهر على تفعيل التدابير الحمائية في قضايا العنف الواردة في القانون المذكور كإرجاع المحضون مع حاضنته إلى السكن المعين له من قبل المحكمة، تقديم ملتمسات باتخاذ أحد التدابير الحمائية عند الاقتضاء، تمكينها من أمتعتها و حاجيات أبنائها الشخصية و لوازمهم، التتبع و المواكبة الى غاية مرحلة التنفيذ، و تمكين الضحية من الحقوق المحكوم بها.
 
المستجدات الزجرية للقانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء 
 
1/ بخصوص الجرائم العادية: 
● العنف بشتى أنواعه: (ف.404 من ق.ج.): تم تحديد عقوبة الضرب أو الجرح أو غيرهما من العنف أو الإيذاء إذا ارتكب ضد امرأة بسبب جنسها أو ضد امرأة حامل إذا كان حملها بينا أو معلوما لدى الفاعل أو في وضعية إعاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية، أو إذا ارتكبه الفاعل ضد شخص له ولاية أو سلطة عليه أو مكلف برعايته أو ضد طليق أو بحضور أحد الأبناء أو أحد الوالدين.

 
● الإمساك العمدي عن تقديم مساعدة لشخص في خطر: (ف.431 من ق.ج.): تم تخفيض الحد الأقصى للعقوبة الحبسية المحكوم بها لكن في المقابل تمت مضاعفة هذه العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زوجا أو خاطبا أو طليقا أو من أحد الأصول أو الفروع أو من الإخوة أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايته، أو إذا كان ضحية الجريمة قاصرا أو في وضعية إعاقة أو معروف ضعف قواه العقلية، و كذا في حالة العود.

 
● إهمال الأسرة: (ف.479 و 480 من ق.ج.): بالإضافة إلى القواعد العادية المحددة للاختصاص، تمت إضافة قاعدة أخرى جديدة تنبني على معيار مكان إقامة الشخص المطرود من بيت الزوجية، حيث يرجع الاختصاص للنظر في الدعاوي المرفوعة بهذا الشأن إلى المحكمة التي يقيم فيها الشخص المطرود من بيت الزوجية، و من جهة أخرى فقد تم الرفع من أجل الإعذار القانوني الذي يتم منحه للمحكوم عليه بالنفقة إلى 30 يوما عوض 15 يوما الذي كان معمولا به في السابق.

 
● التحرش الجنسي (ف.1-503 و 1-1-503 و 2-1-503 من ق.ج.): شدد المشرع في جريمة التحرش الجنسي و ذلك برفعه من الحد الأقصى للعقوبة الحبسية إلى ثلاث سنوات، كما أضاف عناصر أخرى جديدة مؤسسة لهذه الجريمة و هي الإمعان في مضايقة الغير في الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية و كذلك استعمال رسائل مكتوبة أو هاتفية أو الكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، مع مضاعفة العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النظام و الأمن في الفضاءات العمومية أو غيرها. أما إذا ارتكب التحرش الجنسي من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايته أو كافلا له، أو إذا كان الضحية قاصرا، فان المشرع خصص له عقوبة خاصة و هي الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات و غرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم.

 
● جريمة التهديد: (ف.425 و 426 و 427 و 429 من ق.ج.): ضاعف كذلك المشرع العقوبة المخصصة لهذه الجريمة إذا كان مرتكب الجريمة أحد الزوجين ضد الزوج الآخر أو الطليق أو الخاطب، أو أحد الأصول أو أحد الفروع أو أحد الإخوة أو كافلا أو شخصا له ولاية أو سلطة على الضحية... و كذا في حالة العود، أو إذا كان ضحية الجريمة قاصرا أو في وضعية إعاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية.

 
2/ بخصوص الجرائم المستحدثة: 
● السب و القذف ضد المرأة بسبب جنسها: (ف.1-444 و 2-444 من ق.ج.): من الخصوصيات التي ميزت هذا القانون هو تجريم السب و القذف الموجهين للمرأة بسبب جنسها و عاقب على ذلك بغرامة مالية حسب ما هو منصوص عليه في الفصلين 1-444 و 2-444.
 
المستجدات الشكلية للقانون المتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة:
 
 من المستجدات التي جاء بها القانون الجديد إمكانية جعل جلسة المحاكمة سرية إذا تعلق الأمر بقضية عنف أو اعتداء جنسي ضد المرأة أو القاصر، بناء على طلب الضحية، و إضافة تدابير حمائية جديدة تهم إرجاع المحضون مع حاضنته إلى السكن المعين لهمن قبل المحكمة، و إنذار المعتدي بعدم الاعتداء في حالة التهديد بارتكاب العنف مع تعهده بعدم الاعتداء، و إشعار المعتدي بأنه يمنع عليه التصرف في الأموال المشتركة بين الزوجين، و إحالة الضحية على مراكز الاستشفاء قصد العلاج، و الأمر بالإيداع بمؤسسات الإيواء أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية للمرأة المعنفة التي ترغب في ذلك.
 
آليات التكفل بالنساء ضحايا العنف:
 
أحدثت بموجب قانون محاربة العنف ضد النساء خلايا و لجان مشتركة بين القطاعات للتكفل بالنساء ضحايا العنف، و يتعلق الأمر بخلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، التي تحدث بالمحاكم الابتدائية و محاكم الاستئناف و المصالح المركزية و اللاممركزة للقطاعات المكلفة بالصحة و بالشباب و بالمرأة و بالمديرية العامة للأمن الوطني و القيادة العليا للدرك الملكي. و تضطلع هذه الخلايا بمهام الاستقبال و الاستماع و الدعم و التوجيه و المرافقة لفائدة النساء ضحايا العنف، و تتكون الخلايا المحدثة على مستوى المحاكم الابتدائية و محاكم الاستئناف من نائب وكيل الملك و قاضي الأحداث و المساعد الاجتماعي إضافة إلى ممثلي الإدارة.. و ينص القانون المذكور أيضا على أن تتخذ السلطات العمومية كل التدابير و الإجراءات اللازمة للوقاية من العنف ضد النساء، و تسهر على إعداد و تنفيذ سياسات و برامج تهدف إلى التحسيس بمخاطر العنف ضد المرأة و تصحيح صورتها في المجتمع و العمل على إذكاء الوعي بحقوقها..

 
  و ختاما، يمكن القول أن القانون الجديد جاء ليعالج ما تتعرض له المرأة من عنف مستمر سواء كان هذا العنف ماديا أو معنويا أو جنسيا أو اقتصاديا، ليبقى التساؤل مطروحا، هل هذا القانون فعلا سينجح في مكافحة العنف ضد النساء بالمغرب؟ هذا ما ستجيبنا عليه الأيام المقبلة إن شاء الله.
 
 شكايات العنف ضد النساء المسجلة باستئنافية وجدة:
 
  بلغ عدد ضحايا العنف بشتى أنواعه على مستوى محكمة الاستئناف بوجدة خلال سنة 2018 ما مجموعه 53 ضحية، حسب شكايات العنف ضد النساء، و يتمثل هذا العنف في: السب و القذف و الضرب و الجرح المؤدي لعاهة مستديمة، اعتراض السبيل و الضرب و الجرح و الاغتصاب، التحرش الجنسي و محاولة هتك العرض، الاعتداء و التهديد بالقتل، محاولة القتل، تظلم، إهمال أسرة، إثارة الضوضاء، التغرير بامرأة محصنة و اختطافها من طرف مجهول، الإزعاج و الاعتداء و التهديد بالسب و الشتم و محاولة الاعتداء الجسدي، الطرد من المنزل مع محاولة القتل، محاولة الاغتصاب عن طريق التخدير، التعرض للخطف الاغتصاب الضرب المبرح و السرقة، التهجم و الاعتداء و التهديد و السب و الشتم والقذف، الاعتداء الجنسي باستعمال القوة و التهديد بالتشنيع، الاغتصاب الناتج عنه الحمل.. وقد سجلت 53 قضية خلال نفس السنة تتعلق بالعنف ضد المرأة منها 45 قضية اغتصاب و 3 قضايا اختطاف و احتجاز، و حول الأحكام الصادرة في حق المتابعين في قضايا العنف ضد المرأة فقد تمت كما يلي: 5 متابعين بالسجن المحدد، 80 متابعا بالحبس، 14 متابعا بالحبس مع الغرامة، 29 بالحكم بالحبس مع إيقاف التنفيذ و 17 متابعا بالبراءة..
 
 
  رئيسة الخلية الجهوية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف بجهة الشرق             
 
 

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 12 دجنبر 2023
في نفس الركن