بين السطور

محاولة جزائرية للعودة إلى الخريطة الأوروبية


بينما تستقبل برلين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وتستعد مدريد لإعادة فتح صفحة الحوار مع الجزائر، تتابع الرباط هذه التحركات الدبلوماسية بهدوء، في مشهد يعيد الجزائر مؤقتاً إلى دائرة الاهتمام الأوروبي. وبالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بإثارة القلق أو التقليل من أهمية هذه المبادرات، بل بتحليلها بواقعية ووضوح.

فالدبلوماسية المغربية ليست معنية بالانجرار وراء ردود الفعل العاطفية أو الدخول في مزايدات سياسية، بل تعتمد مقاربة تقوم على اليقظة الاستراتيجية، من خلال فهم توجهات الشركاء الأوروبيين، وقياس التحولات في موازين القوى، وتقييم طموحات الجزائر دون تهويل أو استخفاف.

فوراء الزيارات الرسمية والتصريحات المتعلقة بالغاز والهيدروجين والاستثمارات، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة النفوذ في منطقة المغرب الكبير، وتحديد الموقع الذي يسعى كل بلد إلى احتلاله داخل البنية الجديدة للطاقة والجغرافيا السياسية في أوروبا.

وتسعى الجزائر، بشكل واضح، إلى استعادة موقع محوري لدى العواصم الأوروبية، من خلال تحويل ثقلها الطاقي إلى ورقة نفوذ دبلوماسي، وتنويع شراكاتها، وإثبات أن التقارب الاستراتيجي بين المغرب وفرنسا لم يدفعها إلى هامش المشهد الأوروبي.

أما المغرب، فيواصل نهجاً مختلفاً، يرتكز على شراكات راسخة مع عدد من القوى الأوروبية والأطلسية، ويعتمد على الاستمرارية والمصداقية والاستقرار. غير أن هذه الثقة لا تلغي الحذر، لأن موازين القوى في الجغرافيا السياسية تتغير بسرعة، كما أن المصالح الاقتصادية قد تدفع الدول أحياناً إلى إعادة ترتيب أولوياتها.

من هذا المنطلق، ينبغي قراءة التقارب الجاري بين الجزائر من جهة، وألمانيا وإسبانيا من جهة أخرى، ليس باعتباره مجرد ملف للطاقة، بل باعتباره محاولة لإعادة رسم التوازنات الدبلوماسية في غرب البحر الأبيض المتوسط، وهي محاولة لا تزال نتائجها النهائية غير محسومة



بقلم : عدنان بنشقرون

الحرب العالمية على الطاقة أعادت الجزائر إلى واجهة الاهتمام الأوروبي


استعادت الجزائر جزءاً من الأهمية التي كانت قد فقدتها تدريجياً، بعدما أعادت الحرب العالمية على الطاقة رسم أولويات أوروبا. فمنذ تراجع تدفقات الغاز الروسي نحو القارة الأوروبية، أصبحت العواصم الأوروبية الكبرى تبحث في الوقت نفسه عن موردين قريبين للغاز، وشركاء في مجال الهيدروجين، ونقاط ارتكاز أمنية جنوب البحر الأبيض المتوسط.


وتتوفر الجزائر على ثلاثة عناصر رئيسية تجعلها ضمن الدول المرشحة لتلبية هذه الاحتياجات: احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، وشبكة من أنابيب الغاز المرتبطة بالفعل بأوروبا، فضلاً عن موقع جغرافي استراتيجي يربط بين البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل.


كما تستفيد من ميزة رابعة تتمثل في أن جزءاً من غازها يصل مباشرة إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، خلافاً للغاز الطبيعي المسال الذي يُنقل بحراً من الولايات المتحدة أو قطر. وتُقلص هذه الأفضلية عامل المسافة، لكنها لا تلغي التحديات المرتبطة بقدرات الإنتاج الجزائرية ولا المنافسة الدولية المتزايدة.


وتسعى الجزائر، انطلاقاً من ذلك، إلى تحويل صفتها كمورد للطاقة إلى شراكة استراتيجية أوسع مع أوروبا. فلم يعد الهدف يقتصر على تصدير كميات أكبر من الغاز، بل يشمل أيضاً جذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، والحصول على اعتراف سياسي، وتعزيز قدرتها على التأثير في المواقف الأوروبية تجاه منطقة المغرب الكبير.


وفي هذا الإطار، أسفرت زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا يومي 16 و17 يوليوز 2026 عن اعتماد "أجندة استراتيجية" تشمل عدداً من مجالات التعاون، من بينها الطاقة، والاقتصاد، والاستثمار، والأمن، والهجرة، والتكوين، والتعاون المؤسساتي.


غير أن ألمانيا لا تنظر إلى الجزائر باعتبارها مجرد مصدر للغاز الطبيعي على المدى القصير، بل تعتمد رؤية تمتد لعقود. فأولوية برلين الأولى تتمثل في تنويع مصادر الطاقة، بعد انهيار النموذج الذي كان يعتمد على الغاز الروسي منخفض التكلفة. ويمكن للجزائر أن تساهم في هذا التوجه، غير أن قدراتها الحالية لا تكفي وحدها لتعويض الكميات التي كانت توفرها روسيا سابقاً.


ويرتكز الرهان الألماني الحقيقي على الهيدروجين الأخضر، إذ أنشأت ألمانيا والجزائر، منذ فبراير 2024، فريق عمل مشتركاً مخصصاً لهذا المجال، كما يشارك البلدان في مشروع SoutH2 Corridor، الذي يهدف مستقبلاً إلى نقل الهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا إلى ألمانيا عبر إيطاليا والنمسا.


وترى برلين في الجزائر منصة محتملة لإنتاج الهيدروجين، بفضل إمكاناتها الكبيرة في الطاقة الشمسية، وبنيتها التحتية الخاصة بالغاز، وقربها الجغرافي من السوق الأوروبية. كما يمكن، بعد إجراء التعديلات التقنية اللازمة، استخدام بعض خطوط الغاز الحالية لنقل الهيدروجين أو خليط من الطاقات منخفضة الكربون.


لكن الاهتمام الألماني لا يقتصر على قطاع الطاقة، فالجزائر تمثل أيضاً سوقاً واعدة للمعدات الصناعية، والتكنولوجيات البيئية، والصناعات البتروكيماوية، والبنيات التحتية، والتكوين المهني، وربما بعض المواد الخام الاستراتيجية. فالصناعة الألمانية تبحث عن أسواق جديدة، بينما تسعى الجزائر إلى تقليص اعتمادها على المحروقات واستقطاب استثمارات إنتاجية.


كما تبحث برلين عن شريك أمني في المنطقة، في ظل تراجع الوجود الغربي بمنطقة الساحل، واستمرار الاضطرابات في ليبيا، وتصاعد الهجرة غير النظامية، وتنامي نشاط الشبكات الإجرامية. وترى ألمانيا في الجزائر طرفاً قادراً على الحوار مع حكومات دول الساحل، رغم أن نفوذها الفعلي في المنطقة يُنظر إليه أحياناً على أنه مبالغ في تقديره.


وأخيراً، يتضمن جدول الأعمال الاستراتيجي الموقع في برلين بنداً صريحاً يتعلق بالتعاون في مجال تحديد هوية المواطنين الجزائريين وإعادة قبولهم، ما يؤكد أن ملف الطاقة يسير جنباً إلى جنب مع ملف الهجرة، الذي يمثل بدوره أولوية عملية بالنسبة للطرفين

 
إسبانيا والجزائر: ترميم علاقة استراتيجية


تأتي الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في 20 يوليوز، استجابة لحاجة أكثر إلحاحاً، إذ ترمز إلى الطي النهائي للأزمة التي اندلعت في مارس 2022، عندما اعتبرت مدريد أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء تمثل "الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية" للتوصل إلى حل للنزاع.


وقد اعتبرت الجزائر هذا التحول خروجاً عن الموقف الإسباني التقليدي، لتقوم بتجميد معاهدة الصداقة بين البلدين، وهو ما انعكس سلباً على المبادلات التجارية التي شهدت اضطرابات كبيرة.


غير أن مسار التقارب بدأ تدريجياً. فخلال زيارته إلى الجزائر في مارس 2026، وصف وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، الجزائر بأنها شريك طاقي مستقر واستراتيجي، كما تناولت المباحثات إمكانية رفع إمدادات الغاز المنقولة عبر أنبوب ميدغاز بنسبة قد تصل إلى نحو 10 في المائة.


ويأتي بيدرو سانشيز إلى الجزائر حاملاً ثلاثة أهداف رئيسية.


أولها تأمين إمدادات إضافية من الغاز، في ظل ظرفية دولية تتسم بالتقلب، مستفيداً من ميزة مهمة تتمثل في أن أنبوب ميدغاز يربط الجزائر مباشرة بالسواحل الإسبانية دون المرور عبر المغرب.


أما الهدف الثاني، فيتمثل في إعادة تطبيع العلاقات الاقتصادية. فقد كانت الجزائر، قبل اندلاع الأزمة، تمثل سوقاً مهمة للشركات الإسبانية العاملة في قطاعات الصناعات الغذائية، ومواد البناء، والبنيات التحتية، والخدمات، والإنشاءات، والصناعة. وقد كلفت القيود التجارية المفروضة خلال الأزمة المصدرين الإسبان خسائر كبيرة، رغم أن الصادرات الإسبانية نحو الجزائر عادت لتسجل انتعاشاً قوياً، إذ بلغت 2,133 مليار يورو، وفق الأرقام التي أبرزتها الدبلوماسية الإسبانية عشية زيارة ألباريس.


أما الهدف الثالث، فيتعلق بالحفاظ على الاستقرار السياسي في غرب البحر الأبيض المتوسط. فإسبانيا لا تستطيع، على المدى الطويل، الحفاظ على شراكة استراتيجية مع المغرب، وفي الوقت نفسه البقاء في حالة أزمة مع الجزائر. ولذلك تسعى مدريد إلى بناء شراكة مزدوجة: مع الرباط في ملفات الهجرة، والتعاون الاقتصادي، والأمن، وهندسة الجوار الإقليمي، ومع الجزائر في مجالات الطاقة، وأمن المتوسط، والاستقرار الإقليمي.


غير أن هذه المعادلة تظل هشة. فمدريد تؤكد أنها لم تغير موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، ومع ذلك قبلت الجزائر استئناف الحوار من دون أن تحصل على تراجع علني عن هذا الموقف. ويعكس هذا التطور قدراً من البراغماتية الجزائرية، إذ لا تزال قضية البوليساريو تحتل مكانة مركزية في الخطاب الرسمي، لكنها لم تعد قادرة على تعطيل العلاقات الاقتصادية مع أوروبا إلى ما لا نهاية.

ماذا تسعى الجزائر إلى تحقيقه من خلال برلين ومدريد؟


لا تكتفي الجزائر بالتفاعل مع موجة التقارب الأوروبية، بل تعمل على هندستها ومحاولة استثمارها لتحقيق مجموعة من المكاسب الاستراتيجية.

لا تزال العلاقات الفرنسية الجزائرية رهينة أزمات الذاكرة، والهجرة، والقضايا القنصلية، والخلافات السياسية. وقد أدى اعتراف فرنسا، سنة 2024، بسيادة المغرب على الصحراء إلى تعميق القطيعة بين البلدين. ورغم بوادر انفراج حذر خلال سنة 2026، فإن الجزائر لم تعد ترغب في أن تظل علاقتها بأوروبا رهينة البوابة الفرنسية.


وتوفر ألمانيا علاقة أقل تعقيداً من الناحية التاريخية، بينما تمنحها إسبانيا منفذاً مباشراً إلى الاقتصاد الأوروبي وشبكاته الطاقية، في حين تكمل إيطاليا، التي تحافظ على حضور قوي في الجزائر، هذا التوجه. وبهذا تسعى الجزائر إلى بناء رباعي أوروبي بديل يضم روما وبرلين ومدريد وبروكسيل


تكريس الجزائر كقوة إقليمية


يسعى النظام الجزائري إلى أن يُنظر إليه باعتباره طرفاً لا غنى عنه في ملفات الساحل وليبيا والهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة. وتُغذي الزيارات الأوروبية المتكررة هذا الخطاب الذي يروج لفكرة استعادة الجزائر لمكانتها الإقليمية.


كما تخدم هذه الصورة هدفاً داخلياً، إذ تتيح للسلطات إظهار أن الجزائر، رغم توتر علاقاتها مع فرنسا، والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها، واستمرار الخلاف مع المغرب، لا تزال تحظى باهتمام القوى الأوروبية.

استقطاب الرساميل والتكنولوجيا


تدرك السلطات الجزائرية أن عائدات الغاز وحدها لن تكون كافية لتحديث الاقتصاد، لذلك تسعى إلى جذب استثمارات في مجالات البتروكيماويات، والطاقات المتجددة، والبنيات التحتية، والصناعة الميكانيكية، والتعدين، والصناعة الدوائية، والزراعة.


وتُعد ألمانيا شريكاً جذاباً بفضل خبرتها في التكنولوجيا والتكوين، بينما تمثل إسبانيا شريكاً مهماً بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، والخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية، وسلاسل القيمة في حوض البحر الأبيض المتوسط.


غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في قدرة الجزائر على توفير بيئة تنظيمية مستقرة. فقد أدت القيود المفروضة على الواردات، والتغييرات المتكررة في القوانين، والعراقيل البنكية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، إلى عزوف عدد من المستثمرين. وبالتالي، لن تتحول التصريحات السياسية إلى نتائج ملموسة إلا إذا واكبتها ضمانات قانونية ومالية حقيقية.

جعل التقارب بين باريس والرباط أكثر كلفة


قد يكون من المبالغة القول إن جميع التحركات الجزائرية موجهة ضد المغرب، إلا أن التنافس المغربي الجزائري يظل عاملاً أساسياً في رسم السياسة الخارجية للجزائر.


فبعد تعزز المحور الفرنسي المغربي، الذي تجسد مجدداً خلال زيارة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى المغرب يومي 15 و16 يوليوز 2026، تسعى الجزائر إلى التأكيد على أن فرنسا ليست أوروبا بأكملها، وأن الموقف الفرنسي الداعم للمغرب لا يعني بالضرورة اصطفاف برلين أو مدريد أو بروكسيل وراءه.


وتقوم الاستراتيجية الجزائرية على التقليل من أهمية الدور الفرنسي أكثر من السعي إلى معاقبته مباشرة، إذ تريد الجزائر أن تثبت أن باريس قد تخسر عقوداً، وامتيازات، ودورها التقليدي كوسيط بينها وبين أوروبا.


ومن خلال توطيد علاقاتها مع ألمانيا، تمنح الجزائر زخماً لقوة أوروبية منافسة لفرنسا، كما أنها، عبر تطبيع علاقاتها مع إسبانيا من دون أن تتراجع مدريد عن موقفها المؤيد للمغرب، تحاول ترسيخ فكرة الفصل بين التعاون الاقتصادي والاصطفاف الدبلوماسي


الغاز.. ورقة دبلوماسية لكنها ليست بلا حدود


تمتلك الجزائر ورقة طاقة حقيقية، لكنها ليست بلا حدود، فجزء مهم من إنتاجها يستهلكه الطلب المحلي المتزايد، كما أن الحقول التاريخية للغاز دخلت مرحلة تتطلب استثمارات كبيرة للحفاظ على مستويات الإنتاج. لذلك، فإن زيادة الصادرات بسرعة تفرض إطلاق مشاريع جديدة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة داخلياً، وتعزيز الشراكات التكنولوجية.


في المقابل، يتعين على الجزائر تفادي ترسيخ صورة المورد الذي يستخدم الغاز باستمرار كأداة للضغط على شركائه، لأن ذلك قد يدفع الدول الأوروبية إلى تسريع جهودها لتنويع مصادر التزود، سواء عبر الغاز الطبيعي المسال، أو الطاقات المتجددة، أو الهيدروجين، أو موردين آخرين.


كما أن أوروبا، رغم حاجتها الحالية إلى الغاز الجزائري، تعمل في الوقت نفسه على خفض اعتمادها على الوقود الأحفوري على المدى الطويل. ولهذا السبب تسعى الجزائر منذ الآن إلى التموقع في قطاعات الهيدروجين والطاقة المتجددة والبتروكيماويات، إدراكاً منها أن النفوذ القائم على الغاز وحده قد يتراجع بعد سنة 2035.

ما تأثير ذلك على المغرب؟


من منظور الرباط، لا تمثل هذه التحركات انتكاسة دبلوماسية. فإسبانيا لم تُبدِ أي مؤشر على التراجع عن دعمها لمقترح الحكم الذاتي، كما أن ألمانيا أعادت تطبيع علاقاتها مع المغرب وتعتبر المبادرة المغربية مساهمة مهمة في تسوية النزاع.


وعليه، فإن التحدي بالنسبة للمغرب لا يتمثل في منع الجزائر من إقامة شراكات مع أوروبا، بل في الحيلولة دون أن يدفع العامل الطاقي بعض الدول الأوروبية إلى تبني مواقف غامضة بشأن القضايا الاستراتيجية.


في المقابل، يمتلك المغرب عناصر قوة خاصة به، تتمثل في الاستقرار السياسي، والانفتاح على الواجهة الأطلسية، والتكامل الصناعي، والتعاون الأمني، والاستثمارات في الطاقات المتجددة، والبنيات التحتية المينائية، إضافة إلى حضوره الاقتصادي المتنامي في إفريقيا.


وهكذا، تتشكل منافسة بين نموذجين مغاربيين؛ فالجزائر تراهن على المحروقات، والامتداد الجغرافي، والعمق الساحلي، وآفاق إنتاج الهيدروجين، بينما يراهن المغرب على البنيات التحتية، وسلاسل الإنتاج الصناعية، والانفتاح الأطلسي، والخبرة المالية الإفريقية، وبيئة اقتصادية أكثر اندماجاً مع الأسواق الغربية.


في النهاية، من المرجح أن تفضل أوروبا الحفاظ على علاقات متوازنة مع البلدين، بدلاً من الانحياز بشكل كامل إلى أحدهما على حساب الآخر.

سيناريوهات محتملة


السيناريو الأول : الجزائر تصبح شريكاً طاقياً رئيسياً لأوروبا


يتطلب هذا السيناريو استثمارات جديدة في قطاع الغاز، وتجسيد مشروع ممر الهيدروجين نحو ألمانيا، وتحسين مناخ الأعمال، بما يسمح للجزائر بتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة استراتيجية مستدامة.


السيناريو الثاني : تطبيع اقتصادي دون اصطفاف سياسي


وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً بالنسبة لإسبانيا، إذ قد توسع مدريد تعاونها الاقتصادي مع الجزائر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب واستمرار دعمها لمبادرة الحكم الذاتي.


السيناريو الثالث : كثرة الإعلانات وقلة الإنجازات


فمشاريع الهيدروجين تتطلب استثمارات بمليارات اليوروهات، وبنيات تحتية متطورة، وكميات كبيرة من المياه والطاقة المتجددة، فضلاً عن أطر تنظيمية معقدة، ما يجعل احتمال بقاء العديد منها في حدود التصريحات وارداً.


السيناريو الرابع : الطاقة تتحول إلى ساحة جديدة للتنافس المغاربي


قد تسعى الجزائر إلى استثمار عقود الطاقة للحصول على مواقف أوروبية أكثر حياداً بشأن قضية الصحراء، بينما يرد المغرب بتعزيز شراكاته الصناعية والأمنية والأطلسية، في وقت تحاول فيه أوروبا الاستفادة من عروض الطرفين دون الانخراط في النزاع

 
الجزائر لا تريد أن تبقى مجرد مزود أوروبا بالغاز


تبحث ألمانيا في الجزائر عن شريك لمستقبلها الطاقي، خصوصاً في مجال الهيدروجين، لكنها ترى فيها أيضاً شريكاً صناعياً وأمنياً وشريكاً في إدارة ملفات الهجرة. أما إسبانيا، فتسعى إلى تأمين إمدادات إضافية من الغاز، واستعادة السوق الجزائرية، وإنهاء أزمة أصبحت مكلفة اقتصادياً للطرفين.


في المقابل، تطمح الجزائر إلى ما هو أبعد من ذلك. فهي تريد تحويل حاجة أوروبا إلى الطاقة إلى فرصة لاستعادة مكانتها الاستراتيجية، وإثبات قدرتها على تجاوز القناة الفرنسية التقليدية، وبناء علاقات مباشرة مع برلين ومدريد وروما وبروكسيل، مع الحيلولة دون أن يتحول التقارب الفرنسي المغربي إلى المرجع الوحيد للسياسة الأوروبية في منطقة المغرب الكبير.


وقد تنجح هذه الاستراتيجية، لكن بشرط أساسي يتمثل في انتقال الجزائر من دبلوماسية قائمة على الريع الطاقي إلى دبلوماسية تقوم على الاستثمار والموثوقية. فالغاز قد يفتح الأبواب، لكنه وحده لا يكفي لبناء نفوذ دائم. فمستقبل التأثير الجزائري لن يتحدد بحجم كميات الغاز المصدرة إلى أوروبا، بقدر ما سيتحدد بقدرتها على الإنتاج، والاستثمار، والإصلاح، والوفاء بالتزاماتها.

رهان العودة إلى قلب اللعبة الأوروبية... هل هو واقعي؟


في ظل هذه المعطيات، يبدو رهان الجزائر على العودة إلى مركز الثقل في المعادلة الأوروبية أقرب إلى هدف سياسي منه إلى احتمال واقعي، فالطموح موجود، والأدوات الدبلوماسية متاحة، كما أن الموارد الطاقية لا تزال تمنح الجزائر ورقة تفاوض مهمة. غير أن استعادة موقع "الفاعل المركزي" في أوروبا مسألة أكثر تعقيداً.


فأوروبا سنة 2026 لم تعد كما كانت في العقد الأول من الألفية. فهي تعمل على تنويع مصادر الطاقة، وتسريع انتقالها الطاقي، وترفض الارتهان لمورد أو شريك واحد. كما أصبحت تنظر إلى شركائها من زاوية المنظومات الصناعية، والاستقرار السياسي، والربط اللوجستي، وأمن الاستثمارات، وهي عناصر لا يكفي الغاز وحده لتوفيرها.


كما تواجه الجزائر تحديات داخلية تحد من قدرتها على تحقيق هذا الهدف، في مقدمتها اقتصاد لا يزال يعتمد بشكل كبير على المحروقات، وجاذبية محدودة للاستثمارات الأجنبية، ودبلوماسية تتأثر بصراعاتها الإقليمية، إلى جانب إصلاحات اقتصادية تتقدم بوتيرة أبطأ من تطلعات شركائها.


وفي سعيها إلى استعادة موقعها المحوري، قد تكتشف الجزائر أن أوروبا نفسها لم تعد تمنح هذا الموقع لأي طرف بعينه، إذ تعتمد اليوم على تنويع الشركاء وتوزيع مصادر الاعتماد، وتتجنب جعل أي دولة في قلب منظومتها الاستراتيجية.


في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كانت ألمانيا أو إسبانيا بحاجة إلى الجزائر، فذلك سيظل قائماً، على الأقل في جانب من احتياجاتهما الطاقية. وإنما يتمثل السؤال في ما إذا كانت هذه الحاجة الظرفية قادرة على التحول إلى نفوذ سياسي دائم.


وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في الاستراتيجية الجزائرية، لأن تحويل الريع الطاقي إلى قوة جيوسياسية مستدامة يتطلب أكثر من عقود الغاز والزيارات الرسمية. فهو يحتاج إلى اقتصاد متنوع، وقدرة على الابتكار، واستقرار تشريعي، وبيئة استثمارية جاذبة على المدى الطويل.


وعليه، فإن رهان الجزائر على العودة إلى مركز اللعبة الأوروبية يبدو، في الظروف الحالية، أقرب إلى طموح سياسي مشروع منه إلى احتمال واقعي. فالإرادة موجودة، لكن موازين القوى الأوروبية والمتوسطية الجديدة تجعل تحقيق هذا الهدف بعيد المنال في المدى المنظور

 

تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الترجمة الأولية، فيما خضع النص للمراجعة والتدقيق والتصحيح والتحرير من طرف عائشة بوسكين لضمان الدقة وسلامة الأسلوب
 




الاثنين 20 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن