كتاب الرأي

ما بعد مباراة السنغال… حين سقطت الأقنعة وانكشفت الأسئلة المؤجلة



لم تكن مباراة المغرب والسنغال مجرد مواجهة كروية عابرة، بل تحولت، دون تخطيط مسبق، إلى لحظة كاشفة لواقع ظل مؤجلا في الوعي الجماعي المغربي. لحظة رأى فيها كثير من المغاربة، ولأول مرة بوضوح، وجها آخر لدول إفريقيا جنوب الصحراء، وجها لم تصنعه كرة القدم بقدر ما أخرجته إلى السطح.



بقلم: ياسين أيت حدو


الغريب في الأمر أن هذه الصدمة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن وليدة تلك المباراة وحدها. فقد سبقتها مؤشرات كثيرة، قبل كأس إفريقيا بسنوات، لكن المغاربة  أفرادا ومؤسسات اختاروا الصمت، أو التغاضي، أو الاكتفاء بخطاب مثالي عن التعايش والأخوة الإفريقية، دون مساءلة الواقع الميداني.

هل كنا نرى… أم كنا نتغافل؟

في المغرب، يدرك الجميع أن الهجرة القادمة من دول جنوب الصحراء لم تعد ظرفية ولا عابرة. فالمهاجرون لم يعودوا مجرد عابرين نحو الضفة الأخرى، بل استقروا داخل المدن، ارتاحوا لأحيائها، تسللوا إلى مختلف القطاعات، من التجارة غير المهيكلة إلى خدمات حساسة، وصولا إلى المجال الأمني، حيث أصبحنا نشاهدهم ينخرطون في تجمعات جماهيرية ضخمة دون ضبط حقيقي.

الدولة من جهتها، اكتفت بحلول ترقيعية: حملات موسمية، تصريحات مطمئنة، ومقاربات إنسانية لا تخلو من النوايا الحسنة، لكنها تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة. أما المواطن المغربي، فكان يطالب دائما بالصمت، وبالقبول، وباتهام نفسه بالعنصرية كلما حاول طرح سؤال مشروع.

من الهجرة إلى البروبوغندا

السؤال الذي أصبح اليوم مطروحاً بإلحاح:
هل جاء هؤلاء فعلا من أجل العيش المشترك والسلام كما يُسوق؟ أم أن هناك بروبغندا أخرى تدار بهدوء بعيدا عن أعين الرأي العام؟
من السذاجة اختزال الظاهرة في بعدها الإنساني فقط، كما من الخطير إنكار وجود مشاريع فكرية وسياسية تروج داخل بعض الأوساط الإفريقية، تتحدث صراحة عن استرجاع شمال إفريقيا، وعن حق تاريخي في المجال الجغرافي والثقافي، وصولا إلى خطط مستقبلية يشار إليها أحيانا برؤية 2060.

قد يرفض البعض هذا الطرح، وقد يصفه بنظرية المؤامرة، لكن تجاهل هذه الخطابات لا يلغي وجودها، ولا يعفي الدولة والمجتمع من واجب اليقظة
.
بين التعاطف والسذاجة

التعاطف الإنساني قيمة نبيلة، لكن تحويله إلى سذاجة سياسية خطأ قاتل. المغرب بلد له سيادته، تاريخه، وتوازناته الدقيقة. وأي اختلال ديمغرافي، أمني، أو ثقافي غير مدروس، قد يحمل كلفة باهظة على المدى المتوسط والبعيد.

ما بعد مباراة السنغال لم يغير حقيقة الواقع، بل غير نظرة المغاربة إليه. فقد سقط القناع عن خطاب وردي طويل، وبرزت الحاجة الملحة إلى نقاش وطني صريح، بعيد عن التخوين، وبعيد عن التوظيف الشعبوي.

أسئلة لا تحتمل التأجيل
هل نحن أمام هجرة طبيعية أم أمام إعادة تشكيل ديمغرافي صامت؟
هل الدولة تمتلك رؤية واضحة أم تكتفي بتدبير الأزمة يوما بيوم؟
وهل يحق للمغربي أن يقلق على بلده دون أن يتهم بالعنصرية؟
ما بعد مباراة السنغال ليس نهاية القصة، بل بدايتها.
والأخطر ليس في طرح هذه الأسئلة، بل في الاستمرار في الهروب منها
.




الأربعاء 28 يناير 2026
في نفس الركن