بقلم : عدنان بنشقرون
هذا هو الجانب الذي تعجز الثقافة السياسية التقليدية عن استيعابه. فالتفكير البشري، خاصة داخل المؤسسات، يقوم غالباً على الاستمرارية: تحسين بسيط هذا العام، ثم إصلاح في العام المقبل، ثم تعديل، ثم قانون. لكن الذكاء الاصطناعي لا يسير بهذا الإيقاع.
عندما تنتقل آلة من بضع ثوانٍ من الاستقلالية إلى بضع دقائق، يبدو الأمر قابلاً للتحكم. وعندما تنتقل من دقائق إلى ساعة، يُنظر إليه كتحسن عادي. لكن عندما تستمر هذه الوتيرة، فإننا لا نكون أمام تطور كمي فقط، بل أمام تحول نوعي.
فالذكاء الاصطناعي الذي يمكنه العمل لساعات على مهمة معقدة لم يعد مجرد مساعد، بل يتحول إلى شبه زميل، ثم تدريجياً إلى فاعل قادر على تنفيذ سلسلة عمليات، التجربة، التصحيح، وإعادة المحاولة بشكل مستقل.
تنبيه في البحث والتطوير: الذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة شيفرة لذكاء اصطناعي آخر
لفهم ذلك، يجب تجاوز الصورة السطحية لروبوت المحادثة. كثير من المسؤولين والمواطنين ما يزالون يرون الذكاء الاصطناعي كواجهة بسيطة: سؤال وجواب، نص، صورة أو تلخيص. لكن هذه مجرد واجهة.
التحول الحقيقي يبدأ عندما يُربط النموذج بالأدوات، وقواعد البيانات، وبيئات التشغيل، والأنظمة المهنية، وتدفقات المعلومات. عندها لا يعود الذكاء الاصطناعي منتجاً للغة فقط، بل يدخل في سلسلة الفعل. وهنا تحديداً تكمن إشكالية أن السياسة ما تزال تنظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية الاستخدام، لا من زاوية إعادة تشكيل السلطة والمعرفة.
لدى المغرب أسباب قوية لأخذ هذا التحول بجدية، ليس بدافع الخوف أو الانبهار، بل بدافع الواقعية. فالدولة ما تزال مركزية، والإدارة تلعب دوراً محورياً في الاقتصاد والمجتمع، والتحديث ضرورة لكنه أيضاً مجال هش.
في هذا السياق، لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة إنتاجية، بل قد يعيد تشكيل العمل المؤهل، والعلاقات المعرفية، والتسلسل داخل المؤسسات، بل وحتى العلاقة بين المواطن والخبرة وصناعة القرار.
لنأخذ مثالاً بسيطاً : طالما أن الذكاء الاصطناعي يساعد صحفياً أو محامياً أو مهندساً على العمل بشكل أسرع، فهو مجرد أداة. لكن عندما يصبح قادراً على تنفيذ مهام كاملة، إنتاج نسخة أولية، كشف الأخطاء، اقتراح التصحيحات، وإعادة المحاولة دون تعب، فإنه يتحول تدريجياً من أداة إلى شريك عمل، ثم إلى فاعل مستقل.
وهذا ليس كل شيء. النقطة الثانية الأكثر أهمية تتعلق بالبحث والتطوير. ما يزال يُعتقد أن تطوير الذكاء الاصطناعي يتم فقط من طرف البشر. لكن الواقع بدأ يتغير، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي يساهم في تطوير الجيل التالي من نفسه، بمعنى آخر، الأداة بدأت تشارك في صنع أداة مستقبلها. وهذا ما يخلق حلقة تسارع ذاتي غير مسبوقة.
عملياً، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في كتابة شيفرة لذكاء اصطناعي جديد، واختبار نماذج متعددة بسرعة، واكتشاف الأخطاء، واقتراح تحسينات، وتسريع التدريب، وتحسين الأداء، وتحليل النتائج، في كل مرحلة، لا يتعلق الأمر فقط بزيادة الإنتاجية، بل بزيادة سرعة التطور نفسه. وإذا أصبحت هذه السرعة تغذي نفسها، فنحن أمام حلقة تطورية متسارعة
هنا يجب على السياسيين التوقف والتفكير بجدية: لم يعد السؤال فقط عن التكوين أو الاستثمار، بل عن مدى صلاحية الاستراتيجيات العمومية التقليدية أمام تقنية تتغير عدة مرات خلال دورة إصلاح واحدة، فالإدارة التي تحتاج سنتين لإعداد قانون قد تجد نفسها أمام واقع مختلف تماماً قبل حتى تطبيقه.
المفارقة أن جزءاً من التأخر السياسي ناتج عن تصور خاطئ. كثير من المسؤولين يجربون نسخاً بسيطة من أدوات الذكاء الاصطناعي، ويعتقدون أنها لا تزال محدودة. بينما الاستخدامات الأكثر تقدماً تبقى بعيدة عن هذا الإدراك العام.
في المقابل، يجري السباق الحقيقي في المختبرات الكبرى والشركات التكنولوجية حول النماذج الأقوى، والبيانات، والرقائق، وسرعة التطوير. وهنا تتحول فكرة السيادة: لم تعد مرتبطة فقط بالبنية التحتية، بل بالقدرة على امتلاك أنظمة تتعلم وتطور نفسها.
قطيعة فلسفية وسياسية كبرى
وهنا نصل إلى القطيعة الكبرى. في المغرب، يجب إعادة تعريف مفهوم السيادة بشكل أوسع. لم تعد مجرد علاقة بين الدول، بل أصبحت تشمل علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، فالصراع لم يعد فقط بين الدول، بل أيضاً بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، السؤال لم يعد : من يتحكم في الآلة؟ بل أصبح : متى تبدأ الآلة في إعادة تشكيل شروط اتخاذ القرار البشري؟
طالما كان الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، كانت السيادة تعني التحكم فيه. لكن عندما يتحول إلى فاعل ومنتج ومشارك في التطوير، فإن السيادة تتحول إلى سؤال أعمق : قدرة الإنسان على الحفاظ على موقعه في إنتاج القرار والمعرفة.
هذا ما لم يفهمه السياسيون بعد. الذكاء الاصطناعي يتطور بالأشهر، بينما السياسة تتحرك بالسنوات. وإذا أراد المغرب أن يبقى فاعلاً، فعليه أن يفكر بسرعة وعمق أكبر، فالخط الفاصل الجديد في العالم لم يعد فقط بين الدول، بل بين الإنسان والأنظمة التي يصنعها.
لقد اعتدنا سابقاً على قانون مور، حيث تتضاعف القدرة الحاسوبية كل سنتين تقريباً. لكن اليوم، لم يعد الأمر يتعلق فقط بالقوة، بل بالقدرة على الفعل.
وهنا تكمن القطيعة الحقيقية : إذا كان قانون مور قد غيّر الآلات، فإن تضاعف استقلالية الذكاء الاصطناعي قد يغيّر موقع الإنسان نفسه داخل إنتاج الذكاء.